قبل شهرين، قلبت ضربة جوية إسرائيلية حياة أماني بزي رأساً على عقب، لتصبح بين ليلة وضحاها أرملة فقدت زوجها شادي شرارة وثلاثة من أطفالهما الأربعة. لكنها تناضل اليوم من أجل تحقيق العدالة لهم. وقالت بزي (33 عاماً) بينما ترعى طفلتها الناجية أسيل (13 عاماً) في أحد مستشفيات بيروت: "كرسنا كل حياتنا، أنا وشادي، للأولاد، كنا نفعل كل شيء معاً. لماذا كان عليهم أن يكونوا في هذا المشهد الفظيع. ما السبب ليحل بنا كل ذلك؟"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
ورغم التوصل قبل عام برعاية أميركية الى وقف لإطلاق النار أنهى حرباً مدمرة بين "حزب الله" واسرائيل، واصلت الأخيرة شن ضربات دامية على لبنان، خصوصاً على الجنوب، حصدت أكثر من 300 قتيل، بينهم مدنيون.
وفي 21 ايلول/سبتمبر، كانت بزي برفقة عائلتها في مدينة بنت جبيل، حيث تناولوا طعام الغداء في منزل والديها. وروت أنه بعد مغادرتهم، قررت زيارة جدها قبل أن تعود العائلة الى منزلها في مدينة صور الساحلية، رغم وجود المسيرات التي اعتادوا سماع صوتها في الأجواء: "لم نشعر بالخوف، لأننا غير حزبيين ولا علاقة لنا بأي جهة". وبينما كانت العائلة في السيارة مع الأطفال أسيل وسيلين (10 سنوات) والتوأمين هادي وسيلان (19 شهراً)، توقف زوجها لإلقاء التحية على أحد أقربائه الذي كان يقود دراجته النارية. في تلك اللحظة تحديداً، شنت اسرائيل ضربة قتلت سائق الدراجة وأفراد عائلة بزي. وشاهد مصور "فرانس برس" هيكل السيارة محترقاً بعد الضربة الإسرائيلية. وقالت بزي أنها ضمت عربة الطفلين وحذاء جديداً لهادي وطعاماً أحضرته من منزل والديها.
وأعلن الجيش الاسرائيلي إثر الضربة اغتيال عنصر من "حزب الله" من دون أن يسميه. وأقر أنه "نتيجة الغارة، قتل عدد من المدنيين غير المعنيين"، مبدياً "أسفه لأي ضرر لحق" بهم. وأوضح أن الحادثة قيد المراجعة، علماً أنه منذ سريان وقف إطلاق النار قبل عام، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن استشهاد 340 شخصاً وإصابة قرابة ألف آخرين بجروح، بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية. وقال المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ثمين الخيطان في جنيف الثلاثاء أن ما لا يقل عن 127 مدنياً استشهدوا جراء الهجمات الإسرائيلية منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وخلال مراسم التشييع، أحاطت حشود ببزي التي حضرت على نقالة من المستشفى مع جروج في وجهها وجيوب عينيها منتفختان جراء إصابتها. ولُفّت نعوش زوجها وصغارها بالعلم اللبناني، بخلاف جنازات الضحايا المحسوبين على "حزب الله" حيث تُلفّ النعوش برايات الحزب الصفراء. وزار الرئيس اللبناني جوزاف عون وعقيلته، بزي في المستشفى، للإطمئنان عليها، إثر الضربة الإسرائيلية.
وعبر حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، تنشر بزي صوراً ومقاطع فيديو لزوجها وأطفالها. تغني سيلين في إحداها ويلهو التوأمان فرحين في مقطع آخر. وقالت أن ابنتها سيلين كانت تعامل التوأمين كما لو أنهما طفلاها: "كانت هي أمهم، والآن بالتأكيد هي أمهم في الجنة أيضاً".
وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة موريس تيدبال بينز، المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، أن الهجوم الذي أدى الى مقتل عائلة بزي كانت "عملية قتل استهدفت مدنيين عزل". وينتهك ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والقانون الإنساني الدولي. وشدد على أن إسرائيل ملزمة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، "ويعادل انتهاكه في هذه الحالة عمليات قتل تعسفي وجريمة حرب".
والعام الماضي، خسرت بزي منزلها، بعدما أتت غارة اسرائيلية ضخمة على مبنى مجاور. وقالت: "أول ضريبة دفعناها أنا وأسيل كانت خسارة منزلنا، وثاني ضريبة هي أننا خسرنا عائلتنا كلها". ورغم حجم الخسارة التي منيت بها بزي وتحديات رحلة علاج ابنتها التي لم تستعد عافيتها بعد، تصر على تمسكها بتحقيق العدالة: "سنتابع الطريق حتى النهاية. لنصل الى المجتمع الدولي وحتى إلى المحكمة الدولية، حتى نأخذ حق شادي وهادي وسيلان وسيلين". ومن سرير المستشفى حيث تقبع منذ الإصابة، قالت أسيل بصوت خافت ونظرات ثاقبة: "أول ما سأقوم به عندما أخرج من المستشفى وأقف على رجلي، هو تحقيق العدالة لهم. هم مظلومون وأبرياء، ما كان يجب أن يحدث لهم ذلك".
