مع افتتاح الفيلم الوثائقي Don't Die: The Man Who Wants to Live Forever (89 دقيقة) إصدار العام 2025 وإخراج كريس سميث، يُعاد طرح النقاش الأبديّ حول دور المخرج وماهيّة عمله، هذا الدور الفنيّ سيبقى مثيراً للجدل طالما أنّ السينما موجودة.
لن نذهب في هذه الكتابة إلى التعريفات الأكاديمية أو تحديد الواجبات التي فرضتها الإستديوهات على المهمات المتنوعة لطاقم العمل السينمائي ابتداءً من مساعد المخرج وصولاً الى تصميم الملابس، بل سنحدد ثلاثة تصنيفات احترافية للمخرج لا أكثر، وهي الكفاءة والاحترافية والبراعة، مستنداً إلى كيفية ترجمة فكرة الفيلم الوثائقي الذي يعبر عن وجهة نظر سميث، وفي الخاتمة، بعد التمحيص في الفرص الضائعة في العمل، سنحدد التصنيف الذي يشمل سميث وأمثاله من المخرجين.
منذ 30 عاماً
لفتَ سميث الأنظار إليه للمرة الأولة العام 1996 بعمله الوثائقي الساخر American Job، وبعده حقق نجاحاً كبيراً بفيلمه المستقل American Movie الصادر العام 1999، انتهت مسيرة سميث المهنية المتنوعة حينها وبدأ يتبع درب المال في عالم منصات التدفق ولاحقاً في Netflix وApple TV+ وMax، حينها خسر فرصة أن يصنف كمخرج بارع بعد عقدين على الأقل لو استمر على نفس النهج.
"لا تمُت" فيلمه الأخير، هو قصة مثيرة سنأتي على تفاصيلها في السطور التالية، يحمل كمية كبيرة من الفرص الضائعة، ونشعر في بعض المشاهد بأنه يتجاهل المهنيّة السينمائيّة بشكل مقصود، ولا يتعب نفسه أو المشاهد بطرح أسئلة جديّة، ويستبدل سؤال السينما الأساسي "كيف؟" بسؤال البيع والشراء والانتشار "ماذا؟"، وكأنه بائع أو موظف في مؤسسة بيروقراطية مترهلة وليس مخرجاً.
بدأ سميث التصوير في آذار/مارس 2023، بعد وقت قصير من اللحظة الفيروسية عندما أعلنت العناوين الرئيسية أن برايان جونسون ينفق 2 مليون دولار سنوياً حتى يحقق قصة فيلم The Curious Case of Benjamin Button، ويعكس مسار صحته الجسديّة ليبلغ من العمر –مع تقدم الزمن- 18 عاماً. قصة هاربة من طقس مسلسل المرايا السوداء أو من مسلسل Family Guy حينما يبيع بطل المسلسل روحه لآلهة الذكاء الاصطناعي مقابل العيش إلى الأبد.
قصة العمل التي أسالت الكثير من الحبر في الأوساط العلميّة والصحافيّة، لا تتعدى كونها إعلاناً ترويجياً لمشروع جونسون، قيمته العلمية تقارب الصفر، بينما قيمته التجارية كبيرة جداً. لم يحاول سميث فحص أي من ادعاءات جونسون خلال العرض، ليتناسب في النهاية مع فيلموغرافيته التي تحولت من تأريخ لنضالات العمال ذوي الياقات الزرقاء، إلى حياة الأثرياء وتجاربهم المتطرفة وأمزجتهم العدميّة. يُظهر سميث تطور جونسون من مراهق مورموني عادي، إلى رأسمالي مغامر يسمح للذكاء الاصطناعي بإدارة صحته، ويقدمه لنا كشخصية من عالم مارفل، طموحة وخيّرة وملتزمة وتتفهم الحداثة ومعنى الحريّة، يشرح لنا لماذا يجب أن نتبع خطواته ونقلل من سرعة الشيخوخة، وألا نثق بالعقل البشري وعلينا تسليم زمام حياتنا وصحتنا إلى الذكاء الاصطناعي ليبني لنا خوارزمية تساعدنا على محاربة الموت.
مع استمرار الفيلم، تتضح خلفية جونسون، نرى والديه اللذين انفصلا عندما كان صغيراً ونشأته كمتدين من أتباع المذهب المورموني، تزوج في سن الرابعة والعشرين، وأصبح أباً لثلاثة أطفال، كان مخلصاً لشركته الناشئة لمعالجة المدفوعات Braintree. نرى جونسون البدين الشاحب في لقطات الأرشيف ومن الصعب التعرف عليه من الذي نراه اليوم؛ بل إنه عندما سئل عن حياته الماضية، قال: "لقد رحل ذلك الشخص".
فلسفة عدميّة
هذا السعي المحموم إلى الخلود والتطرف في تحدي الشيخوخة، يقدم في العرض كحريّة شخصيّة واقتراحات مُلزمة تظهر قباحة عصرنا الحالي، مثل هذه الفلسفة العدميّة الفردانيّة تنطوي على خطر تحويل التجربة الإنسانية إلى مجموعة من الأرقام التي يجب حلها بدلاً من كونها مجرد تجربة حيّة، وتحول السعادة والعافية إلى أرقام ذات صيغة ثنائية: صفر أو واحد. هذا جزء بسيط من المعاني الضمنية التي لم يتقرب منها سميث.
يظهر سميث أن العلاج بالبلازما والعلاج الجيني، وهما اثنان من أكثر الأجزاء إثارة للجدل في العمل، كمجازفات بطوليّة يقوم بها جونسون، بينما يصور الانتقادات حولهما كأنها مجرد آراء حاقدة وذبابٌ إلكترونيّ مكون من أشخاص يفضلون البيتزا على صالة الرياضة. في الحقيقة، هذه العلاجات تقع على حافة العلوم قيد التطوير والطب المزيف التخميني.
يقدم سميث شخصية جونسون باعتباره مسيح الصحة، زعيماً لطائفة وله ميراثٌ إلكترونيّ عن الخلود (بياناته الصحيّة) ودليلٌ مقدس لكيفية إيجاد ينبوع الصبا. من جديد يضيع سميث فرصة النقاش حول تكاتف العلم والأيديولوجية والانقسام الطبقي الديستوبي وتسليط الضوء في الإعلام على المشروع النرجسيّ للفرد الأميركي الحديث الذي يحلم بالمريدين والمتابعين القادمين إليه عبر دربٍ خالٍ من المشاعر، أو في صفحاته الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.
مخرج كفؤ
عودٌ على بدء، نستطيع الآن تصنيف سميث كمخرج كفؤ، وهو تصنيف غنيّ بالمعنى أكثر منه بالموضوعيّة، حيث يشاهد الجمهور قصة واضحة ومؤثرة، لكنها بسيطة وذات جانب واحد وتحقق نجاحاً تجارياً، يأتي أعلى منه في التسلسل الهرمي المخرج الجيد والذي نشاهد في أعماله تجربة سينمائية مركبّة ومتعددة الأوجه. في القمة تجلس الصفوة. المخرجون البارعون الذين يقدمون لنا تجربة تحويليّة كالتي تقوم بها كل أنواع الفنون، فتمنحنا طريقة مختلفة وفريدة ومتجددَّة ننظر بها إلى ما هو عادي.
