اتخذ تصعيد إسرائيل ضد لبنان أخيراً، الشكل الميداني والإعلامي، وكأنهما متلازمان، وذلك برفعها وتيرة هجماتها على جنوب لبنان بالترافق مع حملة دعائية تستهدف "حزب الله" والدولة اللبنانية في آن.
وهذا ما يُستنتج من مضامين الإعلام العبري والخطابات الإسرائيلية الرسمية، لدرجة أن المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي "مكان"، إيال عاليما، أكد ذلك أيضاً خلال إفادته بالنشرة المسائية، بقوله إن إسرائيل تنفذ تصعيداً ميدانياً وإعلامياً ضد لبنان؛ من أجل إرسال رسالة مزدوجة، بحيث تحرص على إظهار أن هناك "انتهاكا واضحاً" من الحكومة اللبنانية بدعوى أنها "لم تفِ بتعهداتها"، إلى جانب بث رسالة مفادها أن إسرائيل "لن تقدم تنازلات بشأن هدفها النهائي بلبنان".
أكثر من تصعيد.. وأقل من حرب
لكنّ عاليما تساءل عن إمكانية نجاح التصعيد العسكري والإعلامي الإسرائيلي في تغيير سياسي في ما يتعلق بالدور المطلوب من الحكومة اللبنانية، ومنع "حزب الله" من إعادة ترميم قدراته العسكرية التي تضررت جراء الحرب الأخيرة.
وطرح مذيع تلفزيون "مكان" العبري سؤالاً مركزياً عن مآلات جبهة الشمال وما إذا كانت أمام قاب قوسين أو أدنى من الاشتعال وشن عملية عسكرية "أكبر"، بالنظر إلى السخونة التي نشهدها بالفترة الأخيرة؟
وهنا، قال المراسل العسكري إيال عاليما إنه يستبعد أن تكون جبهة لبنان على عتبة اندلاع الحرب الواسعة، لكنه نوّه إلى أن "خطر" الانجرار إلى تصعيد أكبر، ما زال قائماً.
كما علّق عاليما المعروف بتوجّهه اليساري، على تحليلات يتم تداولها في لبنان، وتربط بين تصعيد إسرائيل ومساعيها لفرض اتفاق سياسي أو أمني على لبنان، مشيراً إلى أن ما يسمعه من الدوائر الأمنية هو عكس ذلك.. إذْ تدّعي أن التوصل إلى تفاهمات مع لبنان "ليس أولوية إسرائيلية الآن"، وأنّ ما يهم تل أبيب بشكل عاجل هو تبني الحكومة اللبنانية "نهجاً عملياً" بإزالة التهديد المحتمل على إسرائيل، على حد قوله.
"جولة التصعيد لم تحن بعد"
وفي خضم انشغال الإعلام العبري كما اللبنانيين، بالسؤال عما ينتظر لبنان، رصدت "المدن" إفادات أمنية إسرائيلية بأنّ تل أبيب زادت وتيرة هجماتها في جنوب لبنان، لكن جولة التصعيد "لم تحن بعد"، وأن تنفيذها مرهون بنفاد المدة الزمنية التي منحتها إسرائيل للدولة اللبنانية؛ لإثبات "جديتها" في نزع سلاح حزب الله، وهو تعبير دعائي يتشبث به الاحتلال الإسرائيلي، كونه فضفاضاً على نحو يمكنها من خلق الذرائع المطلوبة للتحكم بوتيرة العدوان حيثما شاءت ووقتما أرادت وبالوسيلة التي تقررها!
وأشارت مواقع عبرية إلى أنه بمنظور الدوائر الأمنية الإسرائيلية، فإن الوقت الممنوح للحكومة اللبنانية يوشك على النفاد، غير أنها لم تحدد التوقيت المزعوم بشكل دقيق، وتركته مفتوحاً بعض الشيء، رغم أن بعض المراسلين العسكريين قدروا أن يكون موعد التصعيد الأوسع خلال شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل، وهو موعد إتمام اتفاق وقف إطلاق النار السنة الأولى.
أهداف التصعيد المحتمل
وذكرت أقلام مقربة من الأمن الإسرائيلي، أنّ جولة التصعيد التي تسعى إليها تل أبيب، ستكون أوسع من ناحية النطاق الجغرافي وطبيعة الأهداف، بحيث تتركز على البقاع وبيروت، وتستهدف منشآت أسلحة محددة، وقد تمتد لأيام.
ولعلّ هذه التقديرات من كُتّاب مقربين من الأمن الإسرائيلي، تؤشر إلى أن الاحتلال يبحث عن أي ذرائع لضرب أهداف يزعم أن استخباراته حدّثت معلوماتها عنها، وتحتاج إلى تصعيد أكبر لاستنفادها.
وراحت قراءات إسرائيلية أخرى إلى التنبؤ بأهداف التصعيد المحتمل وقوعه في لحظة ما، وتتمحور حول غايتها بـ"إضعاف" حزب الله بشكل أكبر، واصفةً إياه بـ"تصعيد أوسع وأكثر حسماً".
وكان موقع "علما" المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية زعم في وقت سابق أن هناك خبراء إيرانيين في لبنان لمساعدة حزب الله على ترميم قدراته، مُبدياً استغرابه بشأن عدم استهدافهم من قبل الجيش الإسرائيلي حتى اللحظة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن ما تخطط له إسرائيل للبنان في الآتي من الأيام.
"موجة متدحرجة"
بدروها، حددت القناة 14 الإسرائيلية شكل التصعيد الإسرائيلي الجاري حالياً في لبنان، معتبرة أنه تحوّل من هجمات موضعية محددة إلى "هجمات على شكل موجة متدرجة"، قد تصل إلى مواجهة أوسع أو إلى نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، على حد تعبير القناة العبرية.
والحال أن هذا التوصيف الذي استخدمته القناة 14 العبرية استناداً إلى جهات أمنية إسرائيلية، يوحي بأن التصعيد الإسرائيلي يسير وفق مخطط يقوم على التدرّج وربما المفاجأة، خصوصاً أن مصادر عسكرية بدأت تبث مؤخراً، دعايةً عبر مراسلين مقربين منها، بشأن شروع حزب الله بتحويل قذائف غير دقيقة إلى أخرى "دقيقة" وذلك في منشآت موجودة في منطقة البقاع.
لبنان عالق في حقل ألغام
في المقابل، رأى محلل شؤون الشرق الأوسط لصحيفة "هآرتس"، تسفي هرئيل، أن لبنان عالق في "حقل ألغام سياسية"، فيما يقف على شفير الحرب ومن دون وقف لإطلاق النار. وأضاف هرئيل أن الحكومة في بيروت تواجه اتهامات من جميع الأطراف، سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل وحتى حزب الله.
لكن هرئيل اعتبر أن الخروج من المأزق ربما يحدث في لحظة معينة؛ إذا ما تمكنت السعودية ومصر من تغيير المشهد.
في المقابل، تقر التقديرات الأمنية الإسرائيلية أنه لا يجوز افتراض أن حزب الله لن يرد على الهجمات، بل العكس، فالجيش الإسرائيلي يستعد أيضاً لسيناريو يختار فيه الحزب الرد عسكرياً بشكل مفاجئ.
ولذلك، تتعامل التقييمات الأمنية الإسرائيلية مع فرضية تقول إن "اندلاع المواجهة مسألة وقت"، وأن يطلق حزب الله عشرات الصواريخ يومياً، بغض النظر عن النسبة المئوية الحقيقية لفرص حدوث ذلك.
بكل الأحوال، تشدد القراءات العبرية على أن الأمن الإسرائيلي يراقب "كل شيء" في لبنان، وأن دراماتيكية الأحداث تحددها مستجدات الأحداث والمعلومات الأمنية المزعومة.
