تتحرّك اليد بشيء من الرهبة على ورقة، تحاول حث الجلد على التذكّر، العظم على فضح الخوف، والقلب على النبض بوتيرة أسرع، لعلّه يفلت من اليد التي علّمته، كم نبضة عليه أن يصنع.
منذ سنواتٍ وأنا أرافق نساء يكتبن، لا ككاتباتٍ محترفات؛ بل كأجسادٍ تجرّب اللغة.
النساء احترفن الصمت. اتخذن منه جِلداً آخر. التحفن به، وجلسن خلف صومعته، آمنات من الكلام، من ترجمة ما لا يقال، من التأتأة والغصة في الحلق. الصمت نجاة.
وفي كلّ مرّة أراهُنّ يحاولن الكتابة، أرى شيئًا من الغربة ما بين الجسد واللغة: الأولى ترتجف، والثانية تتعثّر.
الكتابة، كما أفهمها، ليست فعلًا جماليًّا؛ بل تمريناً على إمكانية أن تكون النجاة ملتحفة بأحرف على ورق.
تمرين على التفكيك وكسر التماهي؛ فهي اللا-تماهي كفعل مقاوم. وهي الضياع طوعاً.
أن أطلب منهن الكتابة، يعني أن أطلب منهن التيه، شرذمة ما اعتقدن أنه متماسك جداً، وبأنهن يحترفن لصق بعضه ببعض. اللصق هو ما خُلقن لفعله.
لطالما كانت أجساد النساء موضوعًا يُحكى عنه، لا منه: الطبّ يتحدّث عنه. الدين يفسّره. السياسة تنظّم وجوده. لكنّ الجسد نادرًا ما تتاح له حتى الإجابة.
أفكر في هيلين سيكسو، وفي "الكتابة الأنثويّة" التي تخرج من الجسد، لا عنه. أفكر في سارة أحمد، وفي الكتابة كحركة عاطفيّة نحو طُرقٍ جديدة للفهم. استحضر بيل هوكس، والكتابة، لا كزينة بل كبقاء.
لكنّ اللغة، مثل الجسد، ليست بريئة. هي خائنة. تتركنا في منتصف الجملة، تصبح بقعاً سوداء، بقعاً بلا لون، حشرجة لا يمكن صفّها بحروف. اللغة التي كبرنا معها، تحدّنا. تخلق مسافات لم نعِ يوماً أنها هنا.
كيف أقول أحبّك، من دون الحب الذي حملت شكله قبل أن أعيشه؟ كيف أعبُر من اشتياقي للمسة، إلى شكلها على الورق؟ ما شكل اللمس إن كُتب؟ ما شكل الفقد؟ وحين تقصر المسافات تلك، تُكشَف الأشياء وتُخان في الوقت نفسه.
أسئلة تلاحقني:
هل نكتب لأنّنا نملك الكلمات، أم لأنّها الوحيدة التي نعرف؟ هل نملك اللغة التي نحتاجها لكتابة أجسادنا؟ هل نكتب بها، أم هي التي تكتبنا؟ أم أنّنا نكتب بما تيسّر من مفرداتٍ صُنعت لنا قبل أن نصنع أنفسنا؟
بيار بورديو طرح سؤالا يوماً: "كيف نقاوم نظامًا، بالأدوات نفسها التي منحنا إياها هذا النظام"؟
اللغة نظام. ونحن محشورات داخله. نتنفّسه. وحين نُسأل عن شكل الخارج منه، يلفنا الرعب من الجهات كافة، ونختار الصمت. لأنه أعنف علينا، وأقل وطأة على الورق.
***
في صباحٍ خريفيّ بهوية ضائعة، تجمّعت نساء من مدينة بعلبك وضواحيها في مكتبة "ميلي"، وهي المساحة الآمنة الوحيدة لهن في المنطقة. لم يكن الحديث عن الحرب، ولا عن السياسة؛ بل عن الجسد. عن الألم الذي لا يقال، والذاكرة التي تختبئ تحت الجِلد. جلسن في دائرة، ومع كلّ نفسٍ، كأنّ شيئًا في المكان بدأ يتنفّس معهن، على وقع النفَس نفسه.
قلت لهنّ: " لن نكتب نصوصًا جميلة؛ بل نصوصًا صادقة. تحرق حرقاً". ضحكن بتردّد، ثم بدأت أولى الكلمات تتسرب من الأصابع المرتجفة.
"وصلتُ إلى المكان، لكن شيئًا فيَّ بقي خلف الباب". تلك الجملة كانت المدخل إلى حيث يكتب الجسد نفسه، لا بوصفه موضوعًا؛ بل بوصفه ذاكرةً حيّة.
ومن تمرينٍ إلى آخر، كانت الأصوات تتحرّر من طبقات الصمت. في تمرين "الخريطة تحت الجِلد"، اكتشفت النساء أن أعضاءهن يمكن أن تُسمّى من جديد: نهر الركبة، سهل الصدر، عين الكتف. اللغة نفسها بدت كأنّها تتعلّم المشي. بعض النصوص كُتب بالعربية، وبعضها بالصمت، وبعضها بخطٍّ متردّدٍ على ورقةٍ مثنيّة. لم تكن الكتابة هنا مهارة؛ بل إمكانية.
كتبن عن أجسادٍ تتذكّر الحرب، عن بيوتٍ حُمِلت على الظهر، وعن العودة التي لم تكتمل. كانت الكتابة ترميمًا بطيئًا، كأنّ الكلمات تخيط ما مزّقته السنوات. كأنها بكاء، عُصر عَصراً في الأمعاء، وسُمح له أن ينفجر.
***
الكتابة ليست فعل تزيين؛ بل تطهير. هي محاولة لإعادة الجسد إلى نفسه، بعد أن مرّت عليه عيون كثيرة، وبعد أن تكلّمت باسمه أصواتٌ غير صوته.
للجسد صوت. وطعم. ورائحة. للجسد وجود كامل خارج الوجود.
أقرأ نصوصهن. وأفكّر في ما افعله. في ما أكونه، وأنا أشهد على ولادات قيصيرية لنصوص لم يسأل عنها أحد، لنساء لا مكان لمنازل حملنها حافيات، علهنّ يخلّصن ما يكن أن يُخلّص، بين قذيفة وإنذار.
أنا داية، قابلة قانونية تشهد على ولادات: منها المتعثرة، ومنها غير المكتملة. منها الموجعة، ومنها الانسيابية المطلَقة. ومنها ما يخرج بياضاً، لا أثر ولا روح فيه. لكن المرأة تلك التي ولد طفلها - نصّها، من دون صوت، ترمي به بين يديّ، وتقول بشيء من الفخر: "منجرّب مرّة تانية!".
