السودان: حرب صور ومعلومات مضللة

المدن - ميدياالجمعة 2025/11/21
Image-1763717814
(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يترافق النزاع بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" في السودان مع حرب صور في مواقع التواصل الاجتماعي، تغذيها معلومات مضللة تساهم في استقطاب بلد منقسم أصلاً، بحسب الخبراء.

 

وخلال ستة أشهر، نشر موقع "Beam report" السوداني للتحقق من المعلومات الرقمية، "حوالي أربعين تقريراً تثبّت فيها من الحقائق، التي تبين أن أكثر من نصفها يتعلق بمعلومات مضللة بشأن الحرب"، والتي تزامنت بدورها مع "سرديات سامة تهدف على ما يبدو إلى تأجيج التوترات"، بحسب أحد خبراء الموقع نهال عبداللطيف.

 

وقال عمار صلاح عمر (34 عاماً) وهو لاجئ سياسي سوداني يعيش في باريس: "كل يوم، أشاهد ما يجري في مواقع التواصل الاجتماع. نبحث عن الحقيقة، لكن هذا صعب للغاية، كلهم يكذبون ونحصل على القليل من المعلومات"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".

 

وفي بداية آب/أغسطس، أعلن التلفزيون السوداني الرسمي التابع للجيش، أن طائرة مستأجرة من الإمارات تنقل عسكريين كولومبيين، أسقطت قرب مطار تسيطر عليه "قوات الدعم السريع". وانتشرت المعلومات في مختلف أنحاء العالم قبل أن يتم دحضها بشكل قاطع، خصوصاً من خلال صور الأقمار الصناعية التي أظهرت عدم وجود أي حدث في موقع التحطم المفترض. وفي بداية تشرين الأول/أكتوبر، عرض مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة صورة انتشرت على نطاق واسع تظهر مشهد إعدام، للتنديد بانتهاكات "قوات الدعم السريع" أمام مجلس الأمن، لكن الصورة التي نشرت في نيسان/أبريل 2025 للتنديد بأعمال عنف في تشاد، لم يكن لها أي صلة بالسودان، بحسب "Beam report". وتم التلاعب فيها أيضاً لإظهار جنود في الجيش السوداني ينهبون المنازل، ونشرتها حسابات مؤيدة لـ"قوات الدعم السريع".

 

جاء ذلك فيما أوقفت الصحافة التقليدية نشاطاتها بشكل شبه كامل بسبب الحرب. وذكر عبداللطيف أن طرفي الصراع استغلا ذلك "لنشر الدعاية والتقارير العسكرية الكاذبة وخطاب الكراهية والتضليل الإعلامي بهدف تشويه سمعة العدو". لكن في الميدان كما هو الأمر في الفضاء الرقمي، شكل سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور في قبضة "قوات الدعم السريع" في 26 تشرين الأول/أكتوبر، نقطة تحول.  وبموازاة انتشار المجاعة واحتدام القتال، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صور أطفال يعانون سوء تغذية أو سوء معاملة التقطت في دول إفريقية أخرى. وإلى جانب التصريحات العدوانية وصور الانتصارات المصحوبة بموسيقى الفوز، تتدفق مقاطع فيديو تظهر القتال والفظائع المرتكبة.

 

ونددت "قوات الدعم السريع" بـ"روايات… لا تمت إلى الحقيقة بصلة"، في مواجهة اتهامها بقتل 460 مريضاً ومقدم رعاية صحية في مستشفى في الفاشر، استندت خصوصاً إلى صور نشرها عناصرها. وجاء ذلك قبل أن تنشر عبر قناتها في "تيلغرام" مقاطع فيديو تظهر أطباء يعالجون مرضى أو مقاتلين يوزعون مساعدات لجرحى بينما كانوا يغنون.

 

لكن التضليل ليس ظاهرة جديدة، ففي أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، قامت أجهزة الاستخبارات التابعة للرئيس السابق عمر البشير الذي تولى السلطة بين العامين 1989 و2019 بتطوير "وحدة الجهاد الإلكتروني" لمواجهة التعبئة المدنية التي نشأت خلال الربيع العربي. واليوم، يستخدم الجيش الوسائل ذاتها "لتشويه سمعة" "قوات الدعم السريع"، بحسب كليمان ديشاييس وهو عالم اجتماع متخصص في شؤون السودان في "المعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية". في المقابل، تملك "قوات الدعم السريع" "ميزانية ضخمة للإعلام والعلاقات العامة" بمساعدة الإمارات، الأمر الذي منح "مكانة وطنية" لقائدها محمد حمدان دقلو، حسبما قالت ماهيتاب محجوب الباحثة المساعدة في "معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط" ومقره واشنطن.

 

وبحسب "البنك الدولي" فإن حوالي ثلثي الشعب السوداني لم يكن بإمكانه الاتصال بالإنترنت قبل الحرب. ومنذ ذلك الحين، تفاقمت هذه المشكلة جراء أعطال شبكة الاتصالات. وأكدت هند عباس حلمي الأستاذة في "جامعة الخرطوم"، أن المنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي "تنتقل شفهياً وهو أمر في غاية الخطورة". 

 

وتسهل وفرة المعلومات الكاذبة في السودان "فوز الكاذب". وأفادت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة "كونراد أديناور ستيفتونغ" الألمانية، بأن التنديد بها أو إنكارها يسمح "بتحويل الانتباه أو التهرب من المسؤولية أو بتشويه سمعة العدو". وأكملت عباس حلمي أن "خطابات الكراهية تنتشر بسرعة كبيرة جداً منذ أن تمددت الحرب في جميع أنحاء البلاد". وأوضح دوشاييس أن "الخطاب عبر الإنترنت انتشر على نطاق واسع مترافقا مع دعوات إلى القتل وإلى انفصال دارفور"، مشيراً إلى "دينامية تشجعها الأطراف المتحاربة" وإلى "تسارع الأخبار الكاذبة" و"خطابات أكثر استقطاباً وأكثر وحشية وأكثر عنفاً".

 

ويظهر مقطع فيديو تحققت منه "فرانس برس" امرأة ترتدي زي "قوات الدعم السريع" وتدعو المقاتلين إلى الذهاب إلى ولاية الشمال للقيام بعمليات اغتصاب. وقالت المرأة التي تقدم نفسها باسم "الرائد شيراز خالد": "الولاية الشمالية ستذهبون إليها من أجل بناتها فقط، لكي تحسنوا سلالاتهم لينجبوا رجالاً مثلكم". ونشرت المقاتلة عبر حسابها في "تيك توك" مقطع فيديو للقائها مع صحافية في قناة "سكاي نيوز عربية" الإماراتية كانت في الفاشر في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر. من جانبها، نددت الصحافية نفسها في منشور عبر "إكس" بحملة تضليل إعلامية بشأن الوضع في دارفور. وتنفي الإمارات أي تدخل لها في السودان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث