أسرار نوح زعيتر: كيف تحول الى "روبن هود"؟

راغب مليالجمعة 2025/11/21
Image-1763741766
في بلد يفتقر إلى "أبطال" شعبيين ومثيرين (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

خَطَّ نوح زعيتر، خلال مسيرته كرجل مطارد من قبل السلطات اللبنانية، وملاحق بالعقوبات الدولية، سيرة أخرى أخرجته الى الضوء، ووضعته في صدارة التقييمات الاعلامية، محوّلاً "المتهم" الى "نجم"، والمُلاحق الى "روبن هود"، وهي أولى تجارب المطلوبين في لبنان، ومن أندرها حول العالم. 

وقبل شيوع مواقع التواصل التي أتاحت لكل شخص أن يقدم سرديته المستقلة، بنى زعيتر شبكة علاقات مع الإعلام. جذبه الى منفاه في جرود بعلبك. قدّم للاعلام مادة دسمة: رجل ملاحق، يحتمي بالسلاح والمرافقين، بنى امبراطورية عمرانية ونفوذاً إجتماعياً، ولطالما استطاع التفلت من قبضة القانون. استفاد الإعلام من هذه الفرصة، واستفاد زعيتر من الكاميرا التي أخرجته من عزلته، وأتاحت له تقديم رواية مغايرة، أنتجت، في النهاية، تعاطفاً معه. 

 

 

من هذا التلاقي، أنشأ صورته واكتسب نجوميته. قدّم نفسه كشخصية عامة تمتلك خطاباً موجهاً للرأي العام، رغم أنه مصنَّف كتاجر مخدرات مطلوب للقضاء، ومتهم بإدارة شبكات عابرة للحدود تشمل تجارة الحشيش والكبتاغون وارتباطات بالسلاح والتنظيمات المسلحة.

هذا السلوك، الخارج عن المألوف في عالم الملاحقات الكبرى، عكس قدرته على استثمار بعض المنابر الإعلامية لصياغة روايته الخاصة ومحاولة إبعاد صورته عن الإطار الجنائي التقليدي، في حين كانت الدولة تتعثر في احتواء شبكات مماثلة.

 

 

ظهور غير مألوف

منذ منتصف العقد الماضي وحتى العام 2025، برز اسم نوح زعيتر في الإعلام اللبناني من خلال مقابلات وتقارير تلفزيونية على قنوات مثل "الجديد" و"أو تي في" و"أم تي في"، إضافة الى ظهوره في تقرير أعدته وكالة "فرانس برس" العام 2008. شكّلت إطلالته عبر "الجديد" مع تمام بليق أخيراً، إحدى أبرز محطات ظهوره العلني، بينما ظهرت له مقابلة ميدانية مع OTV داخل الجرود، ثم مداخلة مصوّرة ضمن تقرير لبرنامج "صار الوقت على "أم تي في".  وقد بدا هذا الحضور مستغرباً، إذا ما قورن بحجم الاتهامات في ملفه، إذ تشير مسيرته إلى نشاط طويل في تجارة المخدرات، وإلى اتّهامات بارتباطات أمنية وسياسية واسعة تتجاوز حدود منطقة البقاع.

 

 

تنوّعت إطلالاته بين الدفاع عن نفسه، والتعليق على واقع بعلبك والهرمل، والتطرق إلى صراعات محلية وعشائرية، إضافة إلى الرد على شائعات حول مقتله أو اعتقاله. هذا التنوّع كان جزءاً من استراتيجية إعلامية واضحة تهدف إلى بناء موقع يقدّم فيه نفسه كصوت من داخل بيئته، لا كمطلوب مُتوارٍ عن الأنظار.

 

سياق أمني وسياسي

تاريخ زعيتر الجنائي ليس تفصيلاً جانبياً في فهم حضوره الإعلامي. فالرجل المولود العام 1977 في تعلبايا، والذي عاد من سويسرا في التسعينيات ليبدأ مساراً تصاعدياً في تجارة المخدرات، يواجه مجموعة واسعة من الاتهامات، تشمل زراعة وتصنيع الحشيش والكبتاغون، وتهريب الأسلحة، وتشكيل عصابة مسلحة، والضلوع في جرائم قتل. وفي العام 2021 حُكم عليه غيابياً بالسجن المؤبد. كما ارتبط اسمه بشبكات تُتهم بالعمل لصالح أطراف سياسية ذات نفوذ، وهي اتهامات ينفيها.

هذه الخلفية جعلت ظهوره الإعلامي عنصراً استثنائياً، لا سيّما في ظل عجز الدولة طويلاً عن توقيفه، ثم توثيق معلومات عن تنقله ضمن مناطق محميّة أو صعبة التضاريس. وحين نجح الجيش في إلقاء القبض عليه في عملية نوعية العام 2025، وُضع الحدث في سياق مواجهة إمبراطورية ممتدة لتجارة المخدرات والكبتاغون، لا مجرد توقيف فرد مطلوب.

 

هندسة إعلامية

اختار زعيتر، خلال سنوات ملاحقته، الظهور العلني كوسيلة لفرض روايته، مقدماً نفسه بصورة تختلف عن تلك التي ترد في البلاغات الأمنية. ورَكّز في خطاباته على مشكلات الحرمان في منطقة بعلبك–الهرمل والظروف الاجتماعية المحيطة بها، محاولاً تقديم هذا الإطار كعنصر يفسّر سلوكه أو يخفف من وقع الاتهامات عليه. وقد أدّى تكرار ظهوره وما أثاره من نقاشات إعلامية، إلى تداول اسمه وروايته في أكثر من مساحة، وهو ما ترك أثراً لدى شريحة من المتابعين الذين تلقّوا خطابه بوصفه جزءاً من صورة اجتماعية يسعى إلى ترسيخها، رغم عدم تغيّر وضعه القانوني وثقل الاتهامات المرتبطة به.

كما قدّم تصوراً واسعاً حول علاقته بالدولة وبالمنطقة التي ينتمي إليها، وهي رواية حاول عبرها الانتقال من صورة المطلوب إلى صورة "صاحب موقف"، رغم أن وجوده في قلب ملفات تهريب المخدرات والسلاح، ظلّ العامل الأكثر حضوراً في التعامل معه.

 

 

"روبن هود"

لم يكن ظهور زعيتر الإعلامي تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من مسار صاغه بنفسه، تخللته محاولات لإعادة تعريف المتّهم عبر الشاشة. وفي بلد يفتقر إلى شخصيات شعبية مثيرة للجدل تتصدر الشاشة، ملأ زعيتر فراغاً إعلامياً مكّنه من التحول إلى ظاهرة، رغم ثقل ملفاته الجنائية. وقد مثّلت عملية توقيفه اختباراً لقدرة الدولة على تفكيك الإمبراطوريات التي يتقاطع فيها المال والسلاح والسياسة، لا مجرد القبض على شخص مطلوب.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث