بتعيينها الفنان قيس الشيخ نجيب سفيراً لها، دخلت منظمة "اليونيسف" منطقة غير مطروقة في عملها داخل سوريا، إذ تشير صياغة البيان الرسمي إلى أنّ قيس الشيخ نجيب هو "أول سفير لليونيسف في سوريا"، في حين أن المنظمة، طوال العقود السابقة، وخصوصاً خلال سنوات الحرب، اكتفت بسفراء عالميين أو إقليميين يتحدثون عن الأطفال السوريين من الخارج، مثل الناشطة السورية مزون المليحان التي حازت صفة سفيرة عالمية للاجئين وتعليم الأطفال العام 2017.
والحال أن غياب أي اسم سوري كسفير وطني داخل سوريا خلال مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد، يعكس حساسية العمل الأممي في بلد كانت تحكمه الأجهزة الأمنية والحسابات السياسية، ويشير ضمناً إلى أن المنظمة كانت تفضل أن يبقى عملها الميداني بعيداً من صورة "الوجه المحلي" الذي قد يتحول بسهولة إلى امتداد دعائي للسلطة القائمة، أو إلى هدف مباشر في حرب الدعاية المضادة. ومع سقوط نظام الأسد وتشكل سلطة انتقالية وبدء انفتاح أكبر أمام الوكالات الأممية والجهات المانحة، تشكلت فرصة جديدة لعمل المنظمة، فوزارة التنمية الألمانية على سبيل المثال أعلنت عن حزمة دعم بقيمة 60 مليون يورو تذهب نسبة منها مباشرة إلى برامج التعليم التي تنفذها اليونيسف، بعيداً من قنوات الحكومة الجديدة، ما يعني أن السفير الوطني سيتحرك داخل مشهد إنساني سياسي تحاول فيه الأطراف الدولية ترسيخ حضورها من خلال التعليم وحقوق الطفل.
7.5 مليون طفل بحاجة لدعم
وتكشف وثيقة "وضع الأطفال في سوريا" المنشورة في موقع اليونيسف أن 16,7 مليون شخص، بينهم 7,5 ملايين طفل، يحتاجون إلى دعم إنساني في العام 2025، وأن 2,45 مليون طفل خارج المدارس، فيما يواجه نحو مليوني طفل خطر سوء التغذية، ما يعني أن تعيين سفير جديد يأتي في لحظة تشهد فيها البلاد واحدة من أسوأ الأزمات التعليمية والصحية في تاريخها الحديث رغم توقف المدافع وسقوط النظام السابق.
تضيف تقارير أخرى مرتبطة بخطط "الاستجابة الإنسانية للأطفال" أنّ اليونيسف تطلب ما يقارب 480 مليون دولار لتمويل برامجها في سوريا للعام 2025، بهدف الوصول إلى 7 ملايين شخص، بينهم 4,3 ملايين طفل، في مجالات التعليم والمياه والصحة والحماية، بينما تتحدث بيانات صادرة عن شركاء أمميين عن أكثر من 6,5 ملايين طفل في حاجة إلى المساعدة، وهي أرقام تتجاوز بكثير قدرة أي "سفير" واحد على التأثير الفعلي إذا بقي دوره محصوراً في الحملات الإعلامية والزيارات البروتوكولية.
وتضع هذه الأرقام، التعيين، في سياق مزدوج. فمن جهة تحتاج اليونيسف إلى صوت معروف يحول لغة الجداول والميزانيات إلى قصص يمكن للجمهور أن يتفاعل معها، ومن جهة أخرى يدخل الشيخ نجيب مساحة تحمل فيها كلمة "طفولة" طبقات من المعنى، تتعلق بالمدارس واللقاحات والألغام المنتشرة في الأرياف والمدارس المدمرة وجيل كامل عاش سنواته الأولى في خيَم اللجوء أو تحت حظر التجول والقصف.
أدوات ناعمة
وتستخدم اليونيسف منذ عقود "النجومية الإنسانية" جزءاً من أدواتها الناعمة. فالفنان العراقي كاظم الساهر عيّن سفيراً إقليمياً للمنطقة في العام 2015 بعد سنوات من عمله مع الأطفال المتضررين من الحرب في العراق، فيما تحمل المغنية اللبنانية نانسي عجرم صفة سفيرة إقليمية لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ العام 2009، وتعمل المغنية اليمنية–الإماراتية بلقيس فتحي اليوم كسفيرة لليونيسف في الخليج حيث تركز على التعليم والصحة وحقوق الطفل في البيئات الهشة.
وتظهر هذه التجارب نمطاً متكرراً في عمل المنظمة التي تختار شخصية ذات حضور جماهيري واسع، وتسند لها دوراً في الزيارات الميدانية للمخيمات والمدارس والمراكز المجتمعية وفي الحملات التلفزيونية والرقمية وفي مناسبات مثل اليوم العالمي للطفل أو حملات التطعيم، في محاولة لردم الفجوة بين لغة الأمم المتحدة وخطاب الشارع، مع الإبقاء على القرار الفعلي في يد الفرق التقنية والمانحين وليس في يد السفير نفسه.
النجومية الانسانية
في الطرف الآخر، برزت أصوات ودراسات متزايدة في حقل "الإنسانية النجومية" تتبع هذا النموذج، وترى أن تحويل المعاناة إلى مشهدية تدور حول صورة النجم قد يخفي علاقات القوة الفعلية بين المؤسسات الدولية والدول الهشة، ويمنح الجمهور شعوراً زائفاً بالمشاركة، لكن هذه الدراسات تعترف في الوقت نفسه بأن وجود سفير معروف قد يفتح نافذة حقيقية أمام قصص محلية لم يكن لها أن تصل إلى الإعلام لولا حضوره، وأن السؤال يتعلق بطبيعة المساحة التي يتركها لنشاط المجتمع المدني والأصوات المحلية كي تتكلم هي أيضاً.
قفز فوق المركزية
وفي السياق تستعد دول صديقة لسوريا، لتمويل مشاريع تعليمية وصحية واسعة في البلاد عبر اليونيسف وUNDP ومنظمات دولية أخرى، مع التأكيد على أن الأموال لن تمر عبر الحكومة مباشرة، مما يجعل ملف الأطفال والتعليم ساحة مركزية للصراع الناعم بين المانحين والسلطات المحلية. وتفرض هذه المعادلة على الشيخ نجيب اختباراً مضاعفاً. فهو فنان عرفه الجمهور في أدوار اجتماعية وإنسانية، واليوم يقدم نفسه كرجل "ميدان"، يزور المدارس والمراكز الصحية، وفي الوقت نفسه شخصية عامة سورية ستُسأل عن موقفها من ملفات شائكة مثل الأطفال ضحايا الألغام، وحق الأطفال في المناطق التي شهدت انتهاكات جسيمة في الحقيقة والعدالة، وحق أطفال اللاجئين في العودة أو البقاء، وهي ملفات لا يستطيع أي سفير أن يقترب منها بجدية من دون أن يصطدم بخطوط حُمر، سواء في عيون السلطات أو بعض الشركاء الدوليين.
