تسألني طفلتي "لماذا يوصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر بالحلو؟". أجيبها بأنّه كان كذلك قبل عقدين من الزمان، قبل أن تُولد بكثير. ورغم كلّ محاولاتي، يخرج إيقاع كلماتي حزيناً، ذاك الحزن الذي يفتقد حلاوةً كانت ولن تعود، لكنّه يعيش في انتظارها. "سويت نوفمبر" عبارة تُجدّد ألقها كلّ عام. على الأرجح ليس فقط بسبب الفيلم الهوليووديّ ذي العنوان نفسه، ففيلم رومانسيّ واحد يندر أن يصنع ذاك الثقل للقب في عصر المادّيّات الشرسة هذا.
حاولتُ أن أفهم سرّ الاحتفاء بالخريف كلّ عام. المؤشّرات كلها تزيد الغموض والتشويش الذي رافق نبرة صوت ابنتي المتأفّفة وهي تعاني الحرّ في منتصف شهر نوفمبر وفصل الخريف. ثمّ وقعت على دراسة حديثة عن ظاهرة "الاضطراب العاطفيّ الموسميّ" الممتدة من مطلع الخريف حتّى الشتاء، والتي، رغم تأخّر حلول الخريف، تحافظ على توقيتها بل وتتفاقم، غير آبهة بالاحتباس الحراريّ وتبدّل مزاج المناخ. صحيح أنّه اضطراب أكثر شيوعاً في دول الشمال، لكن، ولأسباب تتعلّق بخصوصيّة "شخصيّتنا"، تظهر على بعض أهل بلادنا في ذاك الهامش بين الجنوب والشمال، عوارض ملحوظة من هذا الاكتئاب: خمول، صعوبة في أداء المهام اليوميّة، انخفاض الإنتاجيّة، قلق، توتّر، إفراط في النوم، زيادة في الشهيّة. حين فكّرت أكثر، وجدت أنّنا أحقّ بهذا الاضطراب من أهل الشمال. بالإضافة إلى هوسنا بالاضطرابات، النفسيّة وغير النفسيّة، فإنّنا نذهب أبعد حين نطالب بحقّنا فيها، وهذه ليست أولى خطوات التعافي، إنّها الرغبة في تبرير فشلنا في تحقيق أيّ إنجازٍ أو تغييرٍ في واقعنا البائس.
بعيداً من كونه شهر اعتدال الحرارة، فإنّ نوفمبر هو ذروة فترة "الاضطراب العاطفي الموسميّ" التي كثُر الحديث عنها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، والشهيرة باسم "اكتئاب الخريف". بينما يتلهّف كثيرون، وفي طليعتهم الممتعضون من الصيف وشمسه، إلى الخريف، فإنّ أجسادهم تنفعل بشكل عكسيّ، إذ يسبّب لها نقص ساعات الشمس اضطراباً نفسيّاً يرقى إلى الاكتئاب. قبل تعمّق الدراسات النفسيّة والأبحاث المخبريّة في الهرمونات والأمزجة وغيرها، كنّا نظنّ أنّ انتهاء العطلة الصيفيّة هو السبب، ودخول المدارس، وذبول الطبيعة حولنا.. لكنّ قصر ساعات النهار والضوء لا شكّ يسبق السببين السابقين، والأخبار الأسوأ هي أنّه حتّى إذا بقي الجوّ حارّاً وتأخّر الجانب الرومانسيّ للخريف فإنّ ذاك الاضطراب يستمرّ في التأثير فينا.
صار قانوناً أن يتأخّر الخريف. كلّ عام ترتفع درجة حرارة الأرض، ويعلو معدّل انبعاث الكربون، ويلتهم حرّ الصيف االشرس وداعة الخريف. الظواهر المناخية لا تكترث بتقسيماتنا وبالحدود التي وضعناها بين فصل وآخر. محظوظة لأنّها لا تقرأ كتب الجغرافيا المدرسية. الفصول الأربعة الشهيرة التي نتّفق عليها، لا تعترف بنا. في دورانها حول الشمس وحول نفسها، لا تأبه الأرض بالفصول والأسماء ووقعها الرومانسيّ أو بُعدها العلميّ كملامسة نصف الكرة الأرضيّة لما يصله من أشعّة الشمس التي تحدّد حرارة الصيف، وابتعاد النصف الآخر عن تلك الأشعّة فيحدّد حرارة الشتاء.
قبل عقود أربعة، كانت ليالي الصيف أجمل ما في طفولتنا. نسهر في حديقة المنزل حتّى ساعة متأخّرة تستوجب أحياناً أن نضع جاكت اتّقاء للسعات البرد المحبّبة. أمّا ليالي الخريف فكانت داخليّة، حيث تتحوّل لسعات البرد إلى قرصات. هذه ليست نوستالجيا، بل حقيقة علميّة. الاحتباس الحراريّ غيّر روزنامتنا وعاداتنا الاجتماعيّة وطعم الفصول، تحديداً حلاوة الخريف. أبدو كعجوز خرفة في عينَي ابنتي وأنا أخبرها هذه الذكريات المبالغ في رومانسيّتها. أخشى أنّي أخلط بالفعل بين مواسم خريف طفولتي وحديقة سندريلا الخلفيّة، حيث تحوّلت اليقطينة إلى عربة ذهبيّة، أقلّتها إلى الحفلة الراقصة في قصر الأمير. نعم، ربّما بطريقة ما هذا ما يصل إلى من يسمعني أو يقرأ هذا النصّ من مواليد الألفيّة الثالثة.
ورغم أنّ شيئاً من الخريف لم يصلنا حتّى منتصف نوفمبر الحالي، إلّا أنّ الأسواق ضجّت باللون البرتقاليّ والمنصّات امتلأت بأغاني أيلول وورقه الأصفر وألوانه الدافئة التي انسحب منه الكلوروفيل بتدرّج، وتكسّبت المتاجر من بيع مستلزمات الهالووين والملابس الخريفيّة. الخريف يأتي ليس لأنّه ظاهرة ملموسة علميّاً، بل لأنّ الناس الذين يرتزقون منه ويستمتعون به يريدون ذلك.
أفكّر: هل كنّا نصنع بعض حزن حاضرنا حين ربطنا الخريف بالرومانسية والحنان والرقة، وعزّزنا هذا بانتاجات فنّيّة وسلع اقتصاديّة. أغنيات وأفلام عديدة تربط الخريف في بلاد أحلامنا البعيدة بالحبّ والحزن معاً... لنخلُص إلى أنّ الخريف هو شهر الحبّ الحزين. إنّه نهاية، لكنّها نهاية آمنة ووديعة، تسقط متهادية ببطء من عليائها نحو الأرض.
أخشى أن الخريف ليس وحده الذي يهجرنا، الشتاء أيضاً يبدّل صورتنا عنه وآمالنا به. العام الماضي، انتحبنا بسبب انخفاض منسوب مياه الأمطار، مدّعين أن لا يد لنا في ذلك وأنّنا مظلومون ومفجوعون. وهذا العام، إذا تكرّر الأمر، ندخل بأقدام واثقة عصر التصحّر والجفاف.
أسأل: ماذا عن نوفمبر إذاً؟ بصفتي من مواليده، يمكنني القول بثقة إنّي أحببته واستطبته منذ كنت جنيناً في رحم أمّي، ورغم أنّهم كانوا يتوقّعون ولادتي في ديسمبر، إلّا أنّي فاجأتهم، وأردت أن أبكر وأخرج إلى عالم نوفمبر الذي بدا لي حلواً ودافئاً. أحلى من العناصر المغذّية التي كان حبل السرّة يمدّني بها من جسد أمّي، وأدفأ من رحمها ومشيمتها. غالباً، الخدّج الذي يولدون في الشهر الثامن لا ينجون، لكنّي فعلت، وكابدتُ كي أفعل. لا عجب، فقد كان الخريف يستحقّ، وبقيت أصدّق أنّني أستحقّه بالمثل، وأنّنا شريكان في الطالع وحركة الكواكب، واللمسة الحزينة في الحبّ المنذور للشتاء القاتل.
