موقف بسمنة وموقف بزيت

نور السيدالأربعاء 2025/11/19
Image-1763506217
اللوحة للفنان السوري غيلان الصفدي
حجم الخط
مشاركة عبر

في الكلام الدارج، يقول السوريون "فتة بسمنة وفتة بزيت"، للتفرقة بين شيئين، أحدهما يملك قيمة أعلى من الآخر. وغالباً ما تُستعمل هذه المقولة للتظلّم: "ناس بسمنة وناس بزيت". فتة الحمّص أو "التسقية"، الطبق الشعبي الشهير لدى الدمشيقيين، ينقسم لطبقٍ يدرج ضمن مكوناته مسحوق الحمص والطحينة غالية الثمن، ويُزين بالسمن الحيواني المقدوح مع المكسرات، أما"الفقسة" فهي فتة الحمص مع سائل حليبي قوامه الماء وزيت مع مسحوق الكربونة. 

 

تذكّرت هذا المثل الشعبي مؤخراً مع رفع سعر الكهرباء إلى نحو سبعين ضعفاً عن تسعيرته السابقة. فهاج الشعب وماج، مستنكراً تلك المفاجأة التي لم تخطر في بال؛ إذ إن الوضع المعيشي لم يستقرّ بعد. تزامنت زيادة الرواتب سابقاً مع رفع الدعم عن المواد الأساسية كالخبز والمحروقات، فبات المواطن ينفق أكثر مما يجني لتأتيه فاتورة الكهرباء كقشّة قسمت ظهره ولم تبالِ.

 

لن أناقش صوابية القرار من عدمها. اللافت كان أمراً آخر بالنسبة إلي. راقبت مواقف البعض عبر وسائل التواصل، ممن أعرف عنهم ولاءهم المطلق للحكومة الحالية. والمفاجأة كانت في الذمّ والتذمر المبالغ فيه! بعضهم ممن هاجموا سابقاً، وبشدّة، أي نقد لتلك الحكومة وإن كان محقّاً، ولبس عباءة مِن الحب ما قتل، حتى قُتل حسّ تلمُّس الخطأ مهما كان جليّاً. وبينهم من هاجمني سابقاً واتّهمني بأني محامية الأقليات والفلول، ضحك لاستنكاري قصّ الشارب وإذلال صاحبه في أحداث السويداء، زجرني لاستنكار الأمر بالعواء من قبل عناصر أمن لشبان في أحداث الساحل، أخرسني إذا ما طالبت بفتح تحقيق شفاف يبيّن حقيقة خطف نساء على أساس طائفي، برّر المجازر تارةً لاستحقاق الأمن والقضاء على التمرّد، وأخرى على أنها عدالة السماء تتحقق على الأرض... وهو يقف اليوم في وجه الحكومة ويصرخ معلناً معارضته لقرار مجحف برفع تسعيرة الكهرباء. وربما يقف احتجاجاً على رفع تسعيرة باقة الانترنت لشركة كان صاحبها في ما مضى عين الفساد وأذنه، رامي مخلوف، قريب الأسد وواجهته الاقتصادية.

 

اعتدنا ازدواجية المعايير في هذه الحفرة. ما إن اشتعلت الثورة، حتى تكبّلت الآراء بنفوس أصحابها ومصالحهم. المحزن أن التجربة لم تعلمنا سوى التعنّت بالموقف والتشبث بالمصالح. أليس الخطأ خطأً مهما كان لونه أو حجمه؟ أليس حريّاً بصاحب الموقف أن يتخذه لمواجهة هذا الخطأ بدلاً من الاتكاء على كتفه ومنادمته تحت أي ذريعة، سواء مظلومية أو طائفية أو حتى اختلاف أفسد الودّ والقضية؟

 

مرّ بي خبرٌ عن رجلٍ ألغى اشتراكه رسمياً في كهرباء الدولة، معتمداً الطاقة البديلة. الحلول الفردية مرة أخرى. جوازات سفر، بدل الخدمة العسكرية بآلاف الدولارات، البَلَم المرعب. هذه كلها كانت ثمناً باهظاً كلّفنا فاتورة سُدّدت دماً ووطناً سُويّ بالأرض. لمَ كان كل هذا؟ ألم يكن العصيان المدني في كامل البلاد لأسبوع واحد كفيلاً بإنجاح الثورة؟ ربما نعم، وربما لا... وهذه الربما قسمت المواقف: مؤيد ومعارض، شهيد وقتيل، موظف ومعفي. كثرت المسمّيات هنا، وازداد الشقاء، وما زال الأشقاء الأشقياء على الشقاق نفسه. وتبقى المقارنة القاتلة لتسحب الدسم من المواقف، لتجعلها باهتة: "وين كنا ووين صرنا". جملة قوّضت آلية التقدم. فبتنا، منذ التحرير، ندور ضمن حلقة مفرغة، نتقاطف فقاعات التريند بين مُصدّق ومُكذّب. في هذا السياق للمفكر المغربي أحمد عصيد، مقولة مهمة تقول إن "الأمة التي لا تعترف بأخطائها، تعيد تلك الأخطاء على أنها النموذج الأفضل. ومن يترك نموذج الأفضل وراء ظهره، لا يمكن أن يعرف طريقه نحو المستقبل".   

 

هل كانت ثورتنا مراهقة؟ ربما. لكن الثورة لا يمكن تأجيلها. تأتي كسيل يسبقه غثاء. كان لا بدّ من اقتلاع الأسد، فتح السجون حتى إن لم يتبقَ أحد في البلاد سوى رجل واحد أو حتى طفل يحفر بأظفاره، ويخرج من تعفّن في العتمة ودُفن بلا عنوان. "لقد امتلأ الزمان حقّاً" كما قال يعرب العيسى. رددتُ هذا بعد أهوال ما رأينا من معتقلات وقبور جماعية لم يُحسم عديدها. وتبقى الحسرة تمطرنا ندماً على وعيٍّ يمكننا اليوم تشكيله لنمضي نحو ربيعٍ لا تلبّد للحسرات فيه. من يقرأ عن ثورات الغرب يعلم بأنه قد سبقها تمكين شكّل وعيها، فكان لابدّ لها أن تنجح. كانت حراكاً سياسياً استند على بصيرة فلسفة سياسية أثمرت في القرن الثامن عشر. البصيرة التي افتقدها ربيعنا العربي، فكان التخبط في النتائج واضحاً. ويبقى الحلم يناجي: هل نجد بوصلتنا يوماً؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث