في خطوة جديدة ضمن مسار مواجهة قرصنة المحتوى التلفزيوني، أوقفت وحدة من المباحث المركزية، وبإشارة من النائب العام التمييزي القاضية ميرنا كلاس، بث محطة "روجيه بطرس أبي راشد" في منطقة وادي شحرور ومحيطها، وختمتها بالشمع الأحمر، وذلك في إطار متابعة النيابة العامة لقرار منع إعادة بث محتوى القنوات اللبنانية من دون حقوق، في ظل فوضى مستمرة منذ سنوات بين المحطات المحلية وأصحاب الكابلات غير الشرعيين.
والقضية التي قد تبدو تقنية في ظاهرها، هي في الواقع جزء من أزمة بنيوية تضرب قطاع الإعلام اللبناني، حيث تتداخل حقوق الملكية الفكرية مع غياب التشريعات الحديثة، وفوضى البنية التحتية الرقمية، ما يجعل كل طرف يعتبر نفسه متضرراً.
وأوضح المحامي طوني مخايل في حديث مع "المدن" أن جوهر المشكلة يبدأ من مبدأ بسيط: "كل قناة تلفزيونية أو إذاعية تمتلك حقوق الملكية الفكرية الكاملة لمحتواها. لا يحق لأي جهة إعادة بث هذا المحتوى عبر منصاتها أو شبكاتها من دون إذن مسبق"، مشيراً إلى أن بعض موزعي الكابل يعيدون بث البرامج على شبكاتهم بطريقة تشبه تشغيل محطة موازية، ما يشكل تعدياً واضحاً على حقوق القنوات.
ورغم وجود موزعين مرخصين يبرمون اتفاقات رسمية مع القنوات لقاء بدل مالي، إلا أن فئة واسعة من أصحاب الكابل تعمل خارج القانون، وتعيد بث المحتوى مجاناً للمشتركين، ما يوقع ضرراً مالياً مباشراً بالقنوات اللبنانية التي تعاني أصلاً تراجع الإعلانات وغياب التمويل.
ويعقّد هذا الملف التداخل بين نصوص قانونية قديمة والواقع الإعلامي الجديد. فالقانون 382/1994 ينص بوضوح على أن "البث التلفزيوني الأرضي من الفئتين الأولى والثانية مجاني، ويجب أن يغطي كامل الأراضي اللبنانية". غير أن الحق في المجانية يقتصر على البث الأرضي وليس على إعادة التوزيع عبر الشبكات الخاصة، ما يحيل إلى السؤال الذي يفاقم الاشتباك: هل يحق لموزعي الكابل نقل إشارة القنوات مجاناً بحجة أن البث أرضي؟ أم أن هذا النقل يعتبر استغلالاً تجارياً يلزمهم بالدفع؟
وقال مخايل أن القانون واضح: "المحتوى ملك للقناة، ولا يحق لأحد استخدامه لغايات تجارية من دون إذن"، لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً حين يمتنع بعض شبكات الكابل عن دفع بدل مالي للقنوات، ويستمر في بثها مجاناً، ما يدفع المحطات إلى قطع بثها عنها، لتنشأ مواجهة تنعكس على المشتركين وعلى قدرة القنوات في الوقت نفسه على الوصول إلى كل منزل. وأضاف: "القنوات اللبنانية مرخصة لتأمين بث يصل إلى كل بيت. وإذا أصبحت غير قادرة على ذلك نتيجة غياب بنية تحتية رقمية، فهذا يؤثر في ترخيصها وفي دورها الأساسي".
ويتقاطع الجانب القانوني مع فوضى البنية التحتية الإعلامية في لبنان. فالقنوات تعتمد بنسبة كبيرة على البث عبر الأقمار الاصطناعية بدلاً من البث الرقمي الأرضي، بعد توقف المحطات الأرضية منذ سنوات. كما أن الدولة لم تنجز بعد مشروع البث الرقمي الأرضي الذي يتيح للقنوات أن تبث عبر منصة موحدة تصل إلى كل المنازل من دون الحاجة إلى شبكات الكابل الخاصة.
وأشار مخايل إلى أن التحول يحتاج إلى استثمار وتعاون بين وزارة الاتصالات و"الهيئة الناظمة للاتصالات" و"الهيئة الوطنية للإعلام"، إلى جانب المؤسسات الإعلامية نفسها، بحيث تصبح هناك "هيئة وطنية للبث الرقمي" قادرة على تأمين تغطية تشمل عشرات القنوات وليس سبع قنوات فقط كما هو الحال اليوم.
ومع إقرار لجنة الإدارة والعدل مشروع قانون الإعلام الجديد وإحالته قريباً إلى الهيئة العامة، عاد الأمل بتنظيم قطاع البث وإغلاق الثغرات القانونية التي يستغلها بعض أصحاب الكابل. القانون الجديد يعد بتحديث شامل للتشريعات الإعلامية، ويمنع التوقيفات، وينظم عملية إعادة البث والشراكات مع الموزعين.
والحال أن النقاش ليس جديداً. ففي العام 2015، ومع تراجع سوق الإعلانات والمال السياسي، حاولت إدارات القنوات تشكيل تحالف للمطالبة بفرض بدل مالي على أصحاب الكابل الذين يدفعون للقنوات الأجنبية ولا يدفعون للمحطات المحلية. ثم عاد الملف إلى الواجهة في العامين 2018 و2019 من دون نتائج، بسبب غياب معالجة جذرية لأزمة البث في لبنان، ما أدى إلى قطع بث متكرر، وإلى نزاعات قضائية بين القنوات والموزعين.
وإقفال محطة في وادي شحرور ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات فرض النظام على قطاع يعمل خارج الأطر القانونية منذ عقود. وبين حقوق ملكية فكرية غائبة، وبنية تحتية غير مكتملة، وقوانين قديمة تنتظر التحديث، يبقى المشاهد اللبناني الحلقة الأضعف. أما القنوات المحلية، فتستمر في معركتها بين الحفاظ على محتواها واستمرار قدرتها على الوصول إلى الجمهور، بانتظار تطبيق قانون جديد قد يعيد رسم خريطة البث في لبنان.
