اختبرت السلطات السورية بدعم تقني ألماني، أول طائرة درون مخصصة لكشف الألغام في ريف دمشق، في حين تتعامل صحف ومنظمات ألمانية في الوقت نفسه مع الألغام نفسها كسبب رئيس يجعل عودة اللاجئين السوريين شبه مستحيلة في المدى المنظور، في مفارقة تكشف الفجوة بين مشاريع تقنية موضوعية ورؤية أوسع لواقع ما بعد الحرب.
وأجرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، عبر المركز الوطني لإزالة الألغام، تجربة على طائرة درون ألمانية تعمل بتقنية "الماغنوميتر" في منطقة دروشا بريف دمشق، قادرةً وفق المركز على كشف الألغام والذخائر غير المنفجرة حتى عمق ستة أمتار، مع تحديد وزن الجسم المكتشف وعمقه، وبسرعة تصل إلى ثمانية كيلومترات في الساعة تسمح بمسح عشرة آلاف متر مربع خلال نحو 35 دقيقة، مما يجعلها أداة أكثر كفاءة من الوسائل التقليدية في بلد ملوث بمخلفات قصف كثيف استمر أكثر من عقد.
وأكدت الوزارة في تصريحاتها أن مكافحة الألغام والذخائر غير المنفجرة تمثل خطوة مركزية لتمكين إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار وتأهيل الأراضي الزراعية والمباني السكنية، وتستند إلى أرقام صادرة عن الدفاع المدني السوري حول تنفيذ آلاف المهمات الميدانية لتطهير أماكن ملوثة وتوعية عشرات آلاف السكان، في محاولة لرسم صورة لسياسة عامة جديدة تتعامل مع مخلفات الحرب بوصفها مسألة أمنية تقنية.
الألغام في الخطاب الألماني: عودة محفوفة بالخطر
وقدمت الصحافة والمنظمات الإنسانية في ألمانيا قراءة موازية للمشهد نفسه، انطلقت من قصص عائدين ونازحين في الشمال السوري، وربطت بوضوح بين الألغام ومخلفات الحرب من جهة، وواقعية الحديث عن عودة اللاجئين من جهة أخرى.
ونشرت صحيفة"آوسبورغر ألغيماينة" تحقيقاً بعنوان "سوريا: الألغام تعرقل العودة وإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية"، يوثق حالة قرىً وبلداتٍ مدمرة في ريف حلب وإدلب تتناثر فيها القنابل غير المنفجرة والألغام بين الركام والحقول. ورصد التحقيق شهادات سوريين عادوا إلى مناطقهم أو حاولوا زيارتها، وانتهى بعضهم بفقدان أطرافه بسبب ألغام مزروعة في بساتين الزيتون أو على أطراف الطرق الفرعية، وربط التحقيق هذا الواقع بنقاش داخلي في ألمانيا حول إمكانية ترحيل بعض السوريين المدانين بجرائم، وحذر من أن العودة إلى مناطق ملوثة قد تتحول إلى مخاطرة مميتة.
من جهتها قالت منظمة "هانديكاب انترناشونال" في نص تحليلي إن ملايين السوريين الذين نزحوا خلال سنوات الحرب يواجهون مجموعة متراكبة من العوائق، كدمار البنية التحتية وانهيار المنظومة الصحية والفقر والتلوث الواسع بمخلفات الحرب المتفجرة، وخلص إلى أن غياب إزالة ممنهجة للألغام والتوعية بمخاطرها، يجعل العودة الكريمة إلى مناطق واسعة شبه مستحيلة في الظروف الحالية.
مؤشرات رقمية
وترسم البيانات التي نشرتها منظمة "الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين"، والشريك الألماني للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين صورةً إضافية؛ إذ يشير ملخص عن "مخاطر الألغام على العائدين" إلى أن ما لا يقل عن 4335 شخصاً في العالم أصيبوا أو قتلوا بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة العام 2023، ٪84 منهم من المدنيين، وأن سوريا ضمن البلدان الأكثر تضرراً، مع تأكيد خاص على أن اللاجئين والنازحين الذين يحاولون العودة إلى قراهم يتعرضون لخطر مضاعف بسبب جهلهم بالتغيرات التي طرأت على الأراضي والطرق الزراعية أثناء الحرب.
وجاء في التحليل أن العودة الطوعية إلى سوريا لا ينصح بها حالياً بسبب تردي الوضع الأمني، في حين شدد موقعها المخصص لموضوع العودة الطوعية على أن غياب الخدمات الاساسية واستمرار المخاطر الامنية، وبينها مخلفات الحرب المتفجرة، من الأسباب الرئيسة التي تدفع المفوضية إلى تبني هذا الموقف الحذر، بالرغم من أن غالبية اللاجئين السوريين ما زالت تعبر في الاستبيانات عن رغبة مستقبلية في العودة عندما تتوفر الشروط.
تحذيرات إنسانية
بدورها أكدت منظمة دعم اللاجئين في ألمانيا "برو آزول" في ورقة موقف صدرت في منتصف الشهر الجاري، أن الوضع في البلاد ما زال هشاً وخطراً من زاوية حقوقية وأمنية، وطالبت بوقف أي ترحيل قسري للسوريين، مستندةًٍ أيضاً إلى مخاطر الألغام ومخلفات الحرب ضمن حزمة أوسع من المخاوف المرتبطة بالاستقرار السياسي والاقتصادي.
الدرون الألمانية بين رمزية التعاون وحجم المهمة
من جهتها سجلت منصات تابعة لوزارة الخارجية الألمانية مفارقة إضافية، حيث أشارت في تقرير عن خطر الألغام في سوريا والمساعدة القادمة من ألمانيا» إلى أن أكثر من 500 شخص قتلوا منذ سقوط النظام السابق بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة. في الوقت الذي توسع فيه برلين دعمها التقني والمالي لبرامج إزالة الألغام، سواء عبر المنظمات الدولية أو عبر مشاريع تعاون ثنائية، بينها تدريب فرق سورية واستخدام تقنيات متقدمة كالدرونز وأجهزة الاستشعار عن بعد.
وفي هذا السياق تهدف تجربة طائرة الدرون في دروشا إلى تسريع مسح المناطق الملوثة بمخلفات الحرب وتخفيض المخاطر على الفرق الميدانية، مقابل تقييمات ميدانية ألمانية ودولية تقول أن حجم التلوث الحالي يجعل العودة الواسعة للاجئين والنازحين رهناً ببرامج تطهير طويلة الأمد تتطلب تمويلاً واستقراراً سياسياً، وأن الخطاب السياسي حول عودة قريبة يتجاوز في كثير من الأحيان هذه المعطيات.
وفي هذه المسافة بين مشروع تجريبي محدود وتحذيرات تتحدث عن أجيال قبل أن تصبح سوريا آمنة، تتحول طائرة الدرون إلى مؤشر على بداية مسار محتمل أكثر منها علامة على اقتراب نهاية ملف الألغام، أو حسم مصير عودة ملايين اللاجئين.
