تبدو الممثلة السورية رنا كرم متمسكة بقناعتها وخياراتها الفنية، وعندما تتحدث لـ"المدن" عن جديدها، تشير إلى عرضين، الأول مخصّص للموسم الرمضاني اعتذرت عنه بعد تعثّر الاتفاق، والثاني قصير من عشر حلقات من النمط النفسي يتم التحضير له حالياً، فضلاً عن عمل مسرحي.
تربط كرم رفضها لبعض المشاريع بمسألة الأجور المتراجعة، موضحة "أن المقابل المادي المطروح لم يعد يتناسب مع حجم الجهد والخبرة التي يمتلكها الممثلون المحترفون"، ولا تنفي أن الممثل أصبح يجد فرصته الحقيقية من خلال الدراما المعربة كانتشار، لكن ليس بالضرورة كنوعية، وتضيف: "الممثل أُجبِرَ على تقديم تنازلات لأن ظروف الحياة صعبة جداً، لكني شخصياً لا أقبل إلا بالأعمال التي أحبها، وأحاول أن لا أتراجع عن أجر معين أو عن حجم الدور ونمطه، وأحياناً يمكن أن أقبل دوراً صغيراً بعض الشيء، لكن يجب أن يكون فيه شيء جديد أو جيد فنياً، أو مخرج جيد، بينما في السابق كان سقف طموحي أعلى بكثير، للأسف كل شيء يتراجع سنة بعد سنة".
جيل الحرب طريقه أطول
وتقارن كرم بين تجارب الممثلين الذين برزوا عربياً قبل الحرب، وبين تجارب جيلها الذي عانى مشكلتَي الإنتاج والتسويق خلال الحرب، وظلّت نجوميتهم محصورة داخل سوريا، وتقول: "أنا قمت ببطولات، لكنها كلها بطولات سورية لم تأخذ حظاً كبيراً في العرض خارج سوريا، وهذا فَرَضَ عليّ خيارات معيّنة للمستقبل، كالحاجة للانتشار عربياً، حتى لو كان الدور أصغر قليلاً.. لكني أحرص على التوازن بين الانتشار عربياً وبين المشاركة في عمل جيد، لذلك ربما يكون الطريق أطول في بعض الأحيان".
تراجع الأجور يؤدي إلى تراجع المستوى
وبالرغم من إقبال شركات الإنتاج غير السورية على إنتاج أعمال سورية، ترى كرم تراجعاً في الأجور وصل إلى حدود "مُخجلة"، كما تصفها، ويضرّ بالمهنة كلها، وتضيف: "أنا أتحدث هنا عن الأعمال المشتركة، والكل يتحدث عن وضع اقتصادي صعب، وقد اعتذرت عن أكثر من عمل بسبب تراجع الأجور لأني أسير الى الأمام ولا يمكنهم إرجاعي إلى الوراء بحجة الوضع الاقتصادي"، مضيفة أن "الاستغلال وتراجع الأجور سيؤدي إلى تراجع المستوى ببساطة، أما الاستعانة بممثل بديل تخرّج هذه السنة أو السنة الماضية لا يملك خبرة، فمن الطبيعي أن تؤثر في المستوى".
وتستطرد في الحديث عن الخلل في الأجور داخل العمل الواحد، مشيرة إلى "أن النجم الأول في بعض المسلسلات يستهلك نصف الميزانية، فيما يُترك باقي الفريق لموازنات ضئيلة لا تليق بتعبهم، مما أوجد فجوة في الأجور بين الممثلين"..
كما تنتقد بعض النجوم الذين يتصرفون أحياناً بطريقة غير لائقة: "يستأثرون بمعظم المشاهد ويتدخلون في المونتاج، وبعضهم يصرّ على تركيز الكاميرا عليه ونقل ردّ فعله، مع أن شريكه في المشهد يقول كلاماً مهماً.. هذه الآلية لا يمكن أن تنجح أبداً. وذلك كله سببه سطوة النجم لأنه أصبح صاحب القرار ويرفض ملاحظات المخرج، وهذا لا يجوز لأن المخرج هو صاحب القرار ويحق له إبداء الملاحظات على أدائه، وهذا ما أفقد بعض النجوم من أصحاب الأسماء الكبيرة القدرة على التطور، خصوصاً أنهم يسمعون دائماً عبارة "الله عليك يا نجم" على أي شيء يفعلونه مما ألحق الضرر بهم، وهناك أسماء كبيرة بدأت تسقط، وفي المقابل هناك نجوم متواضعون والأمور أصبحت واضحة جداً".
الليث حجو سيد الساحة
وترى كرم أن الليث حجو هو المخرج الوحيد الذي ما زال قادراً على إدارة الدفة، بدليل أن مسلسلاته تحقق قيمة فنية عالية، ولذلك يقولون "هذا مسلسل الليث حجو"، كما تُبدي تفاؤلها بالمخرجين الشباب الذين درسوا في الخارج وعادوا إلى سوريا، مثل السدير مسعود وورد حيدر وميار النوري، مشيرة إلى أن "أعمالهم تحمل وعياً بصرياً مختلفاً".. وتقول إن "الممثل يمكن أن يصبح مخرجاً إذا امتلك أدوات الرؤية والتحليل، لكن المخرج المتمكن يجب أن يفهم في التمثيل جيداً حتى يعرف كيف يدير الممثل في قلب المشهد لأن مهمته لا تقتصر على تقطيع المشاهد وضبط الضوء وكيفية استخدام اللقطة الطويلة والقريبة".
البطولة الجماعية وَهم
من ناحية أخرى، تنتقد كرم مفهوم البطولة الجماعية الذي كان يميز الدراما السورية، معتبرة "أن الوضع تغيّر عما كان عليه خلال الأعوام العشر الماضية، بينما اليوم يتصدر نجم أو نجمان"، وتضيف: "هم ابتكروا بطولة الدور الثاني، وكل ما يُقال عن البطولة الجماعية هو مجرد محاولات لإحياء الماضي، لكن هل يقبل النجوم بها بعدما كبرت رؤوسهم؟ هذه مشكلة أيضاً".
المسرح: عودة خجولة
بموازاة تجاربها الدرامية، خاضت كرم تجارب مسرحية متنوعة آخرها "جفون" التي شاركت فيها أداءً وإخراجاً، ووصفتها بأنها تجربة في "المسرح الحركي" خرجت عن النمط التقليدي وعُرضت في دمشق ثم في بيروت، قبل أن تقتصر مشاركاتها فيه على قراءات مسرحية لا تعتبرها "مسرحاً حقيقياً"، لأن المسرح بالنسبة إليها يجب أن يكون تواصلاً حيّاً مع الجمهور.
وتستعد، إلى جانب مشاريعها الدرامية، لخوض تجربة مسرحية جديدة مع مجموعة من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، إذ تبدأ قريباً البروفات، على أن تُفتتح العروض الجماهيرية في دمشق مطلع العام المقبل. وتنظر إلى هذه التجربة كفسحة للتعبير والبحث، لكنها لا تُخفي قلقها على واقع المسرح السوري الذي لم يستعد حيويته بعد: "المحاولات الموجودة اليوم فردية وخجولة، وتعتمد غالباً على مِنَح المؤسسات الثقافية، ومع ذلك يحاول الممثلون الشباب أن يجعلوا من المسرح متنفساً لأحوالهم ومشاعرهم".
السينما فرصة
على صعيد السينما، تعاونت كرم مع عدد من المخرجين السوريين البارزين، من بينهم باسل الخطيب في فيلمي "الأب "و"الأم" اللذين يشكّلان جزءاً من ثلاثية فكرية، كما شاركت في فيلم "حكاية في دمشق" لأحمد إبراهيم أحمد، و"مطر أيلول" لعبد اللطيف عبد الحميد، وترى "أن السينما تمنح الممثل فرصة للتأمل والتعبير المكثف، لأنها تعتمد على التفاصيل الدقيقة، مشيرة إلى أن كل تجربة من تلك الأعمال شكّلت لها إضافة خاصة على مستوى الأداء والوعي البصري".
الدراما السورية: تقهقر وأمل
وعن واقع الدراما السورية، وبموازاة الانفراجات التي لاحت وتلوح في الأفق لتجاوز الصعوبات والمشاكل التي تمر بها، خصوصاً بعد اجتماع نجوم سوريا من مختلف الأجيال الفنية في الرياض ،والآمال والوعود التي تحدثوا عنها بقرب عودة الفرج إلى الدراما السورية واستعادة عصرها الذهبي، تقول كرم: "يجب قبل كل شيء البحث عن نصوص ذات حقيقة مهمة، لأن ما كان يدعم الدراما سابقاً هو النص الجيد والعمل بمبدأ ورش الكتابة التي نهضت بالدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، ثم المخرج الجيد، والممثل الجيد، وكل هذه الأمور تحتاج إلى إنتاج مادي جيد، كما يجب الاستعانة بالجيل الشاب لأنه يمتلك طاقات لافتة، وتعزيز فكرة البطولة المشتركة فعلاً وليس قولاً، وأن يكون المكياج جيداً، والإضاءة جيدة، والشَّعر جيداً لأن الصورةً تفسد العمل أحياناً والاسترخاص يظهر بوضوح على الشاشة".
