أول مطر خريفي في غزة يكشف هشاشة المخيمات

المدن - ميدياالأحد 2025/11/16
Image-1763198455
المطر في غزة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع أول مطر خريفي اجتاح قطاع غزة هذا العام، قضت أمل أبو حسن، وهي نازحة تعيش في مدينة غزة مع أطفالها الأربعة، ليلة عصيبة لا تنسى بعدما غمرت المياه خيمتهم وأغرقت أرضها وأثاثها البسيط.

وقالت أبو حسن (32 عاماً) بينما كانت ملابسها مبللة: "طوال ساعات الليل حاولت تفريغ المياه المتدفقة إلى الخيمة، فيما انشغلت بين وقت وآخر في نقل أطفالي بين أرجائها لحمايتهم من مياه المطر والسيول التي بدأت بالتسلل فجأة لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل. مياه الأمطار كانت تتسرب من كل مكان، والفراش أصبح مبللاً، والأطفال يبكون من البرد والخوف"، حسبما نقلت "وكالة الأنباء الألمانية".

وما زاد الطين بلة بالنسبة لأمل هو اشتداد الرياح، ما أثار مخاوفها من انهيار الخيمة فوق رؤوسهم. وأوضحت: "لم أعرف أين سنذهب ولا ماذا سنفعل. فلا مأوى لدينا ولا منزل ولا حياة ولا أي شيء. نحن وحدنا نواجه تبعات الحرب الإسرائيلية الكارثية، والتي يبدو أنها لن تنتهي قريباً".

وأشارت أبو حسن بصوت يملؤه القلق إلى أنها "تقف عاجزة أمام قوة الطبيعة. هذا أول مطر خريفي على غزة، ونحن بالفعل نكافح للحفاظ على حياتنا. الخيام لا توفر أي حماية، مجرد شادر رقيق. نريد فقط أن نحمي أطفالنا من المطر والبرد، لكن لا أحد يسأل عنا. تخيلوا ما سيحدث عند حلول الشتاء الحقيقي، خصوصاً مع غياب أي أفق لإعادة الإعمار وعدم وجود مؤشرات على بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار".

 

وجاء المنخفض الجوي في وقت تتأرجح فيه غزة تحت وطأة آثار حرب واسعة النطاق شنتها إسرائيل إثر هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 الذي نفذته حركة "حماس"، واستمرت نحو عامين مخلفة مشاهد دمار هائلة وخسائر بشرية مأساوية. وأشارت تقديرات إلى استشهاد أكثر من 69 ألف فلسطيني خلال الحرب، إضافة إلى تدمير أكثر من 85% من المباني في القطاع بما في ذلك غالبية المرافق الحيوية والبنية التحتية، ما جعل السكان أكثر هشاشة أمام أي تحد جديد، سواء كان طبيعياً أو إنسانياً.

وبالنسبة لسكان غزة، فإن هطول الأمطار وتدفق الفيضانات وغرق الخيم ليست مجرد حادث طبيعي، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المعاناة المستمرة منذ الحرب. وقال أحمد الخطيب (45 عاماً)، وهو صاحب متجر في خان يونس جنوب قطاع غزة أنه عاش تجربة مماثلة لأبو حسن: "دمر المطر كل ما نملك. أثاثنا أصبح مبللاً وغير صالح للاستخدام"، موضحاً أنه لم يجد وأطفاله الخمسة مكاناً جافاً للنوم: "كل دقيقة تمر تزيد من شعورنا بالعجز".

وقال الخطيب: "هذا المطر الأول يكشف هشاشة حياتنا، فماذا سنفعل حين يأتي الشتاء بالكامل؟ وكيف سنواجهه من دون أي إعادة إعمار أو تأهيل للطرق والمباني المدمرة؟"، مشيراً إلى أن تراكم المياه والطين في الشوارع جعل التنقل شبه مستحيل، وأعاق وصول فرق الإغاثة، ما ترك السكان يواجهون الفيضانات بمفردهم. كما غمرت المياه الركام الذي يغلق العديد من الطرق، وسقطت أعمدة كهرباء متهالكة، مهددة حياة المارة بخطورة بالغة.

أما فاطمة المصري (28 عاماً) من دير البلح وسط قطاع غزة، فكانت معاناتها أشد، خصوصاً بعد غرق خيمتها وفقدان بعض ممتلكاتها القليلة بسبب السيول، وقالت بصوت متعب: "الأمطار والسيول دمرت خيمتنا ولم نستطع حتى السيطرة على الوضع. شعرت كما لو أن أطفالي سيغرقون، فبدأت بحملهم ونقلهم إلى مكان آخر، لكننا لم نجد سوى العراء والسماء التي لم تتوقف عن المطر".

وأكملت المصري: "نحن نعيش في ظروف مأساوية ونخشى أن تستمر حياتنا هكذا لسنوات طويلة من دون دعم ودون مأوى آمن. كنت أظن أنه بعد توقف الحرب ستنتهي معاناتنا، لكننا اليوم نعيش معاناة أخرى وهي التعايش مع آثار الحرب الكارثية من دون أي أمل حقيقي بالنجاة".

 

وتواصل أصوات السيول والمياه الجارية في المخيمات طوال الليل، متداخلة مع صراخ الأطفال وبكاء الأهالي، في مشهد يبعث على الخوف ويجعل الليل الطويل أقرب إلى كابوس لا نهاية له. وأشار السكان إلى أن معظم الطرق الرئيسة والفرعية غمرتها المياه، وأن تراكم الحطام وتهدم الجسور الصغيرة يعوق حركة فرق الطوارئ والإغاثة، ويجعل الوصول إلى المناطق المتضررة أمراً بالغ الصعوبة.

من جانبه، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل: "تلقينا آلاف النداءات العاجلة، لكن إمكانياتنا محدودة للغاية. كل ثانية في مثل هذه الأجواء تعرض حياة السكان للخطر، خصوصاً أن المنازل المتشققة والمتداعية معرضة للانهيار. وتضررت آلاف خيام النازحين بسبب الفيضانات. الوضع كارثي، ونحتاج لما لا يقل عن 450 ألف خيمة لتأمين الحماية الأساسية للنازحين".

وحذر بصل من أن استمرار الأمطار سيزيد من حدة الأزمة الإنسانية، مشدداً على أن الظروف المعيشية الحالية ترفع خطر انتشار الأمراض التنفسية والمعدية نتيجة الرطوبة والفيضانات في المخيمات والمناطق المتضررة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث