صناعة "بطلة" رفع العقوبات عن سوريا...مَن هي ياسمين نعمو؟

مصطفى الدباسالسبت 2025/11/15
Image-1763145840
ياسمين نعمو الى جانب الرئيس السوري أحمد الشرع (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتشرت في منصات التواصل الاجتماعي صورة للسيدة ياسمين نعمو تقف إلى جانب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، النائب الجمهوري براين ماست، مرفقة بعبارات حاسمة: "هذه هي المرأة التي أقنعته بتغيير موقفه من عقوبات قيصر وهي صاحبة الفضل في مسار التعليق أو الإلغاء".

 

 

لم يحتج الأمر أكثر من صورة وعدد من الحسابات القريبة من التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، حتى تحول لقاء بروتوكولي إلى أسطورة بطولية عن شابة سورية ولوبي ناشئ ونائب نافذ وعقوبات تنهار بعصا سحرية.

لكن حين نعيد ترتيب الوقائع بعيداً من الحماسة الدعائية، يتبيّن أن هذه الرواية أقرب إلى بروباغندا ناعمة أكثر مما تعكس حقيقة صناعة القرار في واشنطن، وجزء منها يصطدم مباشرة بما تقوله الوثائق الرسمية والتقارير الجدية حتى مساء 10  تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والتي تظهر أن ماست نفسه ما زال أحد أبرز المتحفظين على الإلغاء النظيف لقانون قيصر. 

 

من هي ياسمين نعمو؟

المعلومات القليلة المتاحة عن ياسمين نعمو تأتي من سجل الجامعة العربية الدولية الخاصة في سوريا، حيث ذكر اسم ياسمين محمد نعمو كخريجة كلية الصيدلة العام 2017 -2018، وانتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة حيث بدأت ممارسة نشاط عام مرتبط بـ"التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار" (SAAPP)، وهي منظمة مسجلة ككيان غير ربحي في أميركا تقدم نفسها كجسر بين سوريا الجديدة وواشنطن تحت عناوين السلام والازدهار والشراكة الاقتصادية. 

في الصور والمنشورات قُدمت نعمو بصفتها جزءاً من قيادة التحالف إلى جانب زوجها طارق نعمو، ومشاركة في ترتيب لقاءات مع أعضاء في الكونغرس ومسؤولين أميركيين ضمن مسار واسع يضغط لرفع أو إلغاء عقوبات قيصر وفتح باب الاستثمار في سوريا، مما يضعها في موقع فاعل داخل شبكة لوبي محددة، لكنه لا يرقى إلى ما يُسوّق له على أنه دور شخصي حاسم في تغيير سياسة دولة، ما يشكل تناقضاً بين المعطيات الفعلية والخطاب الاحتفالي.

 

 

براين ماست.. لماذا هو مهم؟

يتولى النائب الجمهوري عن فلوريدا، براين ماست، والمعروف بسجل العسكري، رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في الكونغرس الحالي، ما يجعله عقدة أساسية في أي مسار تشريعي يتصل بسوريا، بما في ذلك إدخال مواد إلغاء أو تعديل قانون قيصر في قوانين الإنفاق والدفاع. 

 

وارتبط اسم ماست بمواقف متشددة تجاه النظام السابق وبالدفاع عن الإبقاء على أدوات الضغط، وبينها "قيصر"، تحت عنوان حماية المدنيين ودعم إسرائيل ومواجهة نفوذ إيران. وتؤكد تقارير صحافية أميركية حديثة أنه، حتى مع ضغط البيت الأبيض الحالي لدفع مسار الإلغاء الكامل أو شبه الكامل لقانون قيصر، يبقى ماست أحد أبرز المتحفظين على الرفع بلا شروط، ويستثمر صلاحياته كرئيس للجنة، لعرقلة إدخال نص الإلغاء في الصيغة النهائية لقانون الدفاع. 

بكلمات أخرى، الرجل المستهدف في رواية "ياسمين أقنعته" يعتبر لاعباً مركزياً في ملف "قيصر"، ولا توجد حتى الآن أي وثيقة رسمية أو تصريح من مكتب أو من سجلات الكونغرس تنسب تحولاً جذرياً في موقفه إلى لقاء بعينه أو شخص واحد، بل على العكس تؤكد المصادر المتاحة استمرار معركته مع البيت الأبيض حول شروط الإلغاء وسقفه.

 

صناعة بطلة من داخل اللوبي

عند تتبع الرواية القائلة إن نعمو هي من أقنعت براين ماست وأوقفت أو حرّكت إلغاء عقوبات "قيصر"، يتبيّن أن مصدرها الرئيسي سلسلة منشورات في منصات التواصل الاجتماعي، صادرة عن حسابات مقربة من "SAAPP" أو من الدائرة السياسية والإعلامية المحيطة به، احتفت بالصورة التي جمعت نعمو بماست خلال لقاء ضم مسؤولين سوريين وأميركيين وقدّمت المشهد كدليل على اختراق حاسم مع عبارات من نوع "بطلة الكواليس" و"التي غيّرت موقفه".

ويخدم هذا الاستخدام المكثف للغة البطولة الفردية، ثلاثة أهداف متداخلة. أولاً تكريس التحالف الذي تقوده نعمو باعتباره قناة لا غنى عنها بين دمشق وواشنطن، وأنه يمتلك القدرة على الوصول والتأثير في العقد الصعبة داخل الكونغرس، وهو رأس مال سياسي يمكن ترجمته لاحقاً إلى شرعية تمثيل وتمويل ونفوذ. ثانياً، تضخيم صورة ياسمين نفسها كلاعبة سياسية مؤثرة في سياق تنافسي داخل الجاليات السورية في أميركا، حيث تتزاحم منظمات ولوبيات متعددة على ادعاء تمثيل صوت السوريين والتحدّث باسم معاناة الداخل. ثالثاً، تبسيط مشهد تشريعي شديد التعقيد وتحويله إلى قصة قابلة للاستهلاك السريع.

 

تفكيك السردية

حين نعود إلى مسار العقوبات نفسه، تتضح هشاشة هذه الرواية لأن قانون "قيصر" بوصفه تشريعاً صادق عليه الكونغرس، لا يُلغى بلقطة أو لقاء، بل يتم عبر مسار تراكمي يشمل دفع من البيت الأبيض ووزارة الخارجية والخزانة نحو إعادة تعريف العلاقة مع سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ودعم صريح من قطاعات مجتمع الأعمال الأميركي ومن شركاء إقليميين يرون في السوق السورية فرصة استثمارية مشروطة، إضافة إلى مفاوضات مباشرة بين الحكومة السورية الحالية ومسؤولين أميركيين حول شروط الانفتاح، كالأمن ومكافحة تنظيم داعش وتجارة الكبتاغون، وحدود العلاقة مع إيران وإسرائيل، وحملة علاقات عامة تقوم بها لوبيات حقيقية داخل واشنطن تضغط لدعم الإلغاء أو التعليق.

وفوق ذلك كله، تؤدي الحكومة السورية الحالية دوراً مباشراً من خلال اللقاءات العلنية مع الرئيس الأميركي ومسار الزيارات إلى نيويورك وواشنطن، والقبول بشروط سياسية وأمنية معقدة، مقابل تفكيك تدريجي لنظام العقوبات، مع الإبقاء على أدوات "سناب باك" وإجراءات انتقائية. 

 

أدوار شخصيات سورية–أميركية

وفي هذا المشهد، تبرز أدوار شخصيات سورية–أميركية عديدة، من قانونيين وباحثين وناشطين، ومنظمات مجتمع مدني عملت طوال السنة المنصرمة ضد العقوبات الشاملة وضد التلاعب السياسي بملفها.ورغم أن هؤلاء لا يملكون آلة دعائية مبهرة ولا صوراً لافتة مع نواب، لكن أثرهم التراكمي حقيقي، ومن المجحف شطبه لصالح قصة "ساحرة سياسية" ظهرت فجأة.

المشكلة ليست في أن ياسمين نعمو ناشطة ضمن لوبي يملك حق الدفاع عن رؤيته، فهذا مشروع ومعلن. بل في تحول سردية هذا اللوبي إلى حقيقة تصدّر للرأي العام العربي بوصفها وقائع ناجزة. هذا النوع من البروباغندا يمنح لوبي معيناً ورقة قوة زائفة في مواجهة لوبيات سورية أخرى، فيكرس احتكار تمثيل السوريين في واشنطن لصالح شبكة ضيقة، ويشوّه وعي الجمهور بطبيعة صناعة السياسة الأميركية، فيرسّخ فكرة أن القرارات الكبرى يمكن شراؤها أو رفعها أو تعليقها عبر علاقات شخصية وعشاءات مغلقة من دون الحاجة إلى عمل تشريعي مراقب وصراع سياسة ومصالح معلن يمكن محاسبته والتدقيق فيه.

ما يمكن قوله إن ياسمين نعمو جزء من منظومة لوبي تضغط باتجاه مسار محدد تجاه سوريا، وحضورها حقيقي، لكن أثره يأتي في سياق عمل جماعي أوسع، ولا يوجد ما يبرر أن يُنسب الفضل في تغيير موقف براين ماست أو مسار "قيصر"، إليها شخصياً. فهذه الرواية تنتمي إلى عالم العلاقات العامة والبروباغندا، لا إلى سجل الوقائع الموثقة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث