في شوارع طهران الصاخبة تبدو علامات التغيير واضحة لا تخطئها عين: نساء يسرن من دون حجاب مرتديات الجينز والأحذية الرياضية، ورجال ونساء يتسامرون معاً في المقاهي وسط أنغام الموسيقى الغربية الهادئة أو يتجولون متشابكي الأيدي، في مشاهد تقوض تدريجياً القواعد الاجتماعية الصارمة التي طالما عرفت بها الدولة التي يحكمها رجال الدين.
لكن تحت السطح، تتكشف حقيقة أكثر قتامة، إذ قال أربعة ناشطين داخل إيران أن السلطات الدينية تكثف حملة إجراءات صارمة ضد المعارضة السياسية لبث الخوف ومنع أي اضطرابات. وتعرض مئات من الصحافيين والمحامين والطلاب والكتاب والمدافعين عن حقوق الإنسان للمضايقات أو الاستدعاء أو الاحتجاز أو لإجراءات عقابية أخرى في الأشهر القليلة الماضية، حسبما نقلت وكالة "رويترز".
وذكر ثلاثة مسؤولين إيرانيين ومسؤول كبير سابق من التيار الإصلاحي أن استراتيجية السلطات محسوبة، وهي تخفيف القيود الظاهرة لتهدئة الرأي العام وسط عزلة اقتصادية متزايدة مع تكثيف حملة الإجراءات الصارمة على المعارضة السياسية لكن في هدوء.
وقال ألكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في "معهد الشرق الأوسط" الذي يتخذ من واشنطن مقراً، أن الاستراتيجية تعكس "نهجاً مرحلياً محسوباً مع بقاء الخطوط الحمراء للحكومة من دون تغيير. وأضاف: "هذا التناقض مقصود: متنفس للشعب تقابله قيود صارمة على المعارضة الحقيقية".
وتواجه المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران أحد أصعب الاختبارات منذ الثورة الإسلامية العام 1979، حيث ألحق الصراع المحدود مع إسرائيل أضراراً بالغة بمواقع عسكرية ونووية إيرانية في حزيران/يونيو الماضي، وضعفت شبكة حلفاء طهران في المنطقة، من حركة "حماس" في غزة إلى "حزب الله" في لبنان والفصائل المسلحة في العراق مع سقوط نظام الأسد في سوريا كلياً.
وفي الداخل، يعاني الاقتصاد من انهيار العملة المحلية والتضخم الجامح وأزمات خانقة في توفير الطاقة والمياه. وقال فاتانكا: "إيران تواجه وضعاً غير مسبوق، ونهج النظام الحالي يبدو أقرب إلى سلسلة من محاولات قصيرة الأمد للنجاة من لحظة متقلبة، لا إلى استراتيجية واضحة المعالم"، فيما لم ترد وزارة الخارجية الإيرانية ولا وزارة العدل على طلبات للتعليق.
وصار فرض ارتداء الحجاب انتقائياً، بعدما أشعل الإصرار على الإلزام به احتجاجات حاشدة عندما توفيت الشابة مهسا أميني في حجز الشرطة العام 2022 بعد القبض عليها بسبب انتهاك قواعد الزي الإسلامي. ورفض الرئيس مسعود بزشكيان تطبيق قانون "الحجاب والعفة" المدعوم من المحافظين والذي تمت الموافقة عليه أواخر العام الماضي، خوفاً من تجدد الاحتجاجات في أنحاء البلاد وسط تصاعد الغضب الشعبي.
وفي الإنترنت، يرسم سيل من مقاطع الفيديو صورة لإيران النابضة بالحياة والمنفتحة. وينشر أجانب مؤثرون في مجال السفر، بعضهم بدعوة ورعاية حكومية، مقاطع عن انبهارهم بالآثار القديمة والبازارات الصاخبة والوجبات الفاخرة. وغالباً ما يصورون البلاد على أنها تتعرض لسوء الفهم والتشويه. ويشكل هذا المحتوى، الذي يشاركه الملايين من المتابعين، جزءاً من جهود المؤسسة الدينية لإعادة رسم صورة إيران كوجهة آمنة وجذابة.
في الوقت نفسه، تظهر مقاطع مصورة من حفلات موسيقية في الشوارع شابات لا يرتدين الحجاب ويرقصن ويغنين مع الأغاني الرائجة في مواقع تخضع للمراقبة، وهي مشاهد لم يكن من الممكن تصورها قبل عامين. وقال منتقدون أن هذه المشاهد منظمة بعناية، وتهدف لإظهار الانفتاح في حين أنها ستار يخفي حملة قمع متزايدة.
وارتفع معدل تنفيذ الإعدام في إيران إلى مستويات لم تشهدها منذ العام 1989، وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن السلطات أعدمت ما لا يقل عن 1176 شخصاً العام 2025 حتى 21 تشرين الأول/أكتوبر، بمعدل أربعة أشخاص يومياً.
وقال أحد الناشطين: "تتصاعد الضغوط من تهديدات لعائلاتنا إلى اعتقال الناشطين والطلاب والصحافيين. يريدون سحق أي معارضة". وتعرض هذا الناشط للسجن العام 2019 خلال احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود سرعان ما تحولت إلى احتجاجات سياسية تطالب بتغيير النظام. وتحدث جميع الناشطين شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، خوفاً من الانتقام.
وتجد النخبة الحاكمة في إيران نفسها عالقة بين السخط في الداخل وتعثر المحادثات النووية مع واشنطن لإنهاء النزاع المستمر منذ عقود وهو مزيج ترك البلاد في عزلة سياسية ومالية خانقة. ومن شأن إعادة تفعيل آلية العودة السريعة لعقوبات الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق نووي، أن يزيد الضغط على اقتصاد إيران بشكل هائل ويقلص تجارتها مع الدول التي كانت تتجاهل في السابق العقوبات الأميركية المنفردة.
ويتصاعد القلق في أروقة السلطة في طهران من احتمال تجدد الضربات الإسرائيلية إذا انهار مسار الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، بحسب المسؤولين. وسيزيد مثل هذا السيناريو الضغوط الداخلية والخارجية المتفاقمة بالفعل على المؤسسة الحاكمة. وتحذر الولايات المتحدة وإسرائيل من أنهما لن تترددا في توجيه ضربات إلى إيران مرة أخرى إذا استأنفت تخصيب اليورانيوم الذي يمكن أن تستخدمه لتطوير أسلحة نووية. فيما تزعم طهران عدم سعيها لامتلاك قنابل نووية.
وتهدد طهران من جانبها بالرد بقوة إذا ما تعرضت لهجوم مرة أخرى، وتقول أنها ترحب بإبرام اتفاق نووي "سلمي". وعلق فاتانكا: "احتمال تجدد الاضطرابات الشعبية أمر قائم، فالمجتمع الإيراني يشعر بالغضب وخيبة الأمل كما أنه مقتنع بأن الأفق الاقتصادي والدبلوماسي المسدود أمامه لن ينفتح". وأضاف أن استراتيجية المرشد الأعلى علي خامنئي تبدو ذات مسارين: "خارجيا، يبقي باباً دبلوماسياً ضيقاً مفتوحاً لتجنب الحرب مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وداخليا، يجرب تقديم تنازلات محسوبة".
واشتد التضييق على المعارضة السياسية بعد الاشتباكات المحدودة التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في حزيران/يونيو، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين وهزت أركان القيادة الإيرانية. وقال الناشط الثاني أن تخفيف القيود الاجتماعية هو وسيلة لإبعاد الناس عن الشوارع "لكنها مجرد مسكنات. تم استدعائي وتهديدي من قبل السلطات الأمنية بعد نهاية الحرب في حزيران/يوني. هددوا باعتقال شقيقي الأصغر إذا انخرطت في أي نشاط سياسي".
ولم ترد وزارة العدل على أسئلة حول ما قاله الناشطون بشأن التهديدات التي تعرضوا لها بعد الصراع، لكن في أعقاب الحرب، تذرعت السلطات بالأمن القومي لتبرير حملة القمع الواسعة. وأطلق القضاء الإيراني العنان لإجراء محاكمات سريعة للمتهمين بالتعاون مع إسرائيل، في حين أقر البرلمان تشريعاً يوسع استخدام عقوبة الإعدام في حالات التجسس المزعومة. ويستهدف القانون الجديد أيضاً النشاط عبر الإنترنت ويجرم المنشورات التي يعتبر أنها تردد "معلومات كاذبة".
وبحسب للقضاء الإيراني، جرى إلقاء القبض على أكثر من 21 ألف شخص بينهم صحافيون وناشطون وأفراد من الأقليات مثل الأكراد والبلوش والعرب. وبحسب منظمات حقوقية، جرى توجيه اتهامات لأفراد من أقلية البهائية الدينية بأنهم "جواسيس للصهاينة" واعتقل بعضهم في مداهمات للمنازل وصودرت ممتلكاتهم.
وقال المسؤول الإصلاحي الكبير السابق: "تتزايد الضغوط الدولية، وهم يخشون خسارة السلطة، لذلك يشددون قبضتهم في الداخل على المعارضة السياسية". وسبق أن أمضى هذا المسؤول سنوات في السجن بتهمة "العمل ضد الأمن القومي" بسبب آرائه السياسية.
