ممداني وانتصار "الرجل المُهاجر"... أتذكرون أوباما؟

جودي الأسمرالخميس 2025/11/13
Image-1762325194
رواية "نحن" عند ممداني ليست جامعة، بقدر ما هي هوية نضالية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تكاد الهالة الثوريّة المحيطة بفوز زهران ممداني الكاسح، تكرّسه كشخصية أميركية لا سابق ولا مثيل لها، مع أنّه يعيد تقديم ما يشبه خطاب الرئيس الأميركيّ السابق باراك أوباما، مع تباينات قابلة للتحديد. يمكن القول، إنّ زهران ممداني هو الوريث التقدميّ لخطاب "الرجل المهاجر" عند أوباما. بيت قصيد خطابه يتأكّد كالآتي: "ستبقى نيويورك مدينة للمهاجرين: مدينة بناها المهاجرون، وتعمل بطاقة المهاجرين، واعتبارًا من الليلة، يقودها مهاجر". 

 

خطاب النصر

الانتماء إلى الحزب الديموقراطي يشكّل تفصيلًا جانبيًّا هنا. الأبرز، أنّ كلاهما شاب، من أسرة مهاجرة، نشأ على تراث من التهميش، وقرّر أن يصبح قائدًا قريبًا من الناس، استقطب عشرات آلاف المتطوّعين في حشد المال والناخبين.

بيد أنّ ملامح هذه الشخصية السياسية المشتركة، تتجلى بأوضح صورها في "خطاب النصر". لم يخفِ أوباما أنّ مارشال غانز، مؤسّس "التنظيم المجتمعيّ" في جامعة هارفرد، ومهندس السرديّة السياسية المنبثقة عنه، هو العقل البنائيّ لحملته وخطابه، لكن ممداني لا يعطي معلومة من هذا القبيل، فيما نصّه، في المضمون والبناء، يحمل إشارات وأدبيات معبّرة جدًّا عن هذا النموذج. 

إلّا أنّ ممداني صاغ سرديته السياسية، بنبرة تستبطن هدمًا للمنظومة وشعاراتها التاريخيّة، هاتفًا منتشيًا: "لقد أطحنا سلالة سياسية"، وأعلن هزيمة "الأولغارشيّة"، بينما وقف أوباما في شيكاغو العام 2008 وألقى خطابه من داخل المؤسّسة النظاميّة، محاولًا تعزيز رواية الحلم الأميركيّ التي يراد لها أن تبقى قابلة للتصديق، مردّدًا "نعم، نستطيع". 

يتعزّز هذا الافتراض، من خلال تفكيك خطاب ممداني في ضوء منهجية غانز، القائمة على ثلاثة محاور تُنَظّم رواية المجتمع الأميركيّ. تتدرّج البنية من "قصّتي أنا"، إلى "قصّتنا نحن"، وأخيرًا "الآن"، أو الدعوة إلى الفعل. 

 

أنا: الذّات المناضلة

تقوم "قصّتي أنا" على تجذير القائد ضمن المجتمع المحلّي، وإظهار سيرة حياته ونمط عيشه بشكل يشبهه. مكوّنات من السهل استخراجها في وصفة ممداني؛ لقد انطلق من ذاته على طريقة أوباما، ليقول إنه يأتي من المكان الجغرافي والفضاء العام والحقل القيميّ نفسه الذي يضم جمهوره، بكلّ محموله النضاليّ وعلى اختلاف انتماءاته وأحيانا تناقضاتها، فسعى لكسب شرعيّة التجربة التي تتفوق على شرعية الرمز.

إنها "ذات" ممداني المتبلورة كشهادة حيّة على الهامش، وعلى تعب أبناء المدينة العمّال، الذين افتتح بهم خطابه في صور معبّرة. ولم يُسقط الخطيب سهوًا قصّة أبويه، المفكّر الأنثروبولوجي والأستاذ في جامعة كولومبيا، وكذلك أمه، مخرجة الأفلام  المعروفة، ولعلّه يستبق تهم "البرجوازي البوهيميّ" التي قد تكال إليه، لأنّ خلفية أسرته لن تخدم سرديّة الذات التي اختارها، فوضعها جانبًا.

التشابه واضح، يستخدم أوباما وممداني القصة الشخصية مفتاحًا للثقة. لكنّ الاختلاف أعمق: عند أوباما، الذات تجسيدٌ لنجاح سردية الرجل المهاجر داخل النظام الموجود، أما ممداني، فقد جعل الذات مرآة لفشل النظام نفسه في حماية المهاجرين.

 

نحن: عُصبة المُهمشين

سعى ممداني، مثل أوباما، إلى بناء "نحن" جماعيّة واسعة، لكنّه اختار "نحن" الطبقة العاملة، المهاجرين، المسلمين، الأمهات العازبات، الجدّات الملوّنات، المتحوّلين جنسيًّا، الشباب، الذين "يصنعون المدينة" نيويورك، ويعيشون أثقالها. 

رواية "نحن" عند ممداني ليست جامعة، بقدر ما هي هويّة نضاليّة، تموضعت من الهامش إلى المركز. أمّا الرئيس الأسمر، فاختار أن تكون "نحن" فسيفساء أميركيّة ملوّنة، اقتبسها من أسطورة "بوتقة الانصهار" الأميركيّ، "نحن" مُطَمئنة إلى أنّ البلد واحد، وأنّ الفرص متساوية والمستقبل مشترك. 

يكمن اللقاء في نقطة واحدة، الحاجة إلى "نحن" لتماهي الناخب مع المرشّح، وعبّر عنها عمدة نيويورك بعبارة "أنا منكم ولكم"، لكنّ الفارق جوهريّ وأهم، تطرحه ديناميّة الـ"نحن" داخل المنظومة الأميركيّة، فهي عند أوباما وطنيّة مؤسّسية، بينما تبرز طبقيّة مقاوِمة عند ممداني.

في الوقت نفسه، كتلة الـ"نحن" المتعدّدة التي كوّنها ممداني، قد تتصادم دواخلها وتتشظى في المحطات المقبلة. فـالمسلم غالبًا ما يصدّ خيارات المتحوّل جنسيًّا، واليهوديّ الذي انتخبه، كشف فجوة بين الديموقراطيين التقليديين، ونظرائهم من التقدّميين الشباب، ما يعيد تشكيل الموازين داخل الحزب الديموقراطي، ومآلات دعمه لممداني.

 

الآن: الأمل لأجل التغيير

من هنا، سيلحق بتعريف الـ"نحن"، تعريفُ ألم واحد مشترك، ممّا يعيد تكتّل الجمهور في جسم واحد. وهكذا توضع الـ"نحن" في إطار زمني هو "الآن" الذي يحتاج إلى منقذ. 

طرحَ ممداني فكرة الألم، بمعادلة مزدوجة حقّقت انسجامًا بين اللحظتين الداخلية والخارجية عبر رابط العدالة: غياب "العدالة" في المجتمع النيويوركي، وغياب "العدالة" في المجتمع العالميّ، الذي تجسّد الإبادة في غزّة ذروته.

وإزاء هذا السواد المطلق، يستدعي ممداني الأمل لإعادة البناء: "وبينما أدلينا بأصواتنا منفردين، اخترنا الأمل معًا. الأمل على الطغيان. الأمل على المال الوفير والأفكار الضئيلة. الأمل على اليأس. لقد فزنا لأن سكان نيويورك سمحوا لأنفسهم بالأمل في أن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا"، وألحق رسالته بجملة من الحقل المعجميّ لغانز، فأضاف: "الآن، هي شيء نفعله نحن".

وختم ممداني بالوعد بتجميد الإيجارات، وتحسين النقل العام المشترك، وتعزيز الضمان الاجتماعي للأطفال، كأنّه يسقي جمهوره الأمل على دفعات. وهكذا فعل أوباما، بل كانت حملته "نعم نستطيع" مشحونة بمفردات الأمل، وعكف باحثون في الألسنيّة على دراستها. وهكذا، يلتقي الخطابان في تحويل اللحظة (الآن) إلى خيار أخلاقيّ، والجذب بقوة الأمل. لكن ممداني يتبنّى ضمانات عمليّة للشرائح المهمّشة وحقّها في حياة عادلة، في حين قدّم أوباما وعدًا بإنقاذ الداخل، الذي كان يعيش أزمة مالية واستنزافًا عسركيًّا في العراق وأفغانستان وفقدان الثقة العامة.

 

في الخلاصة، يبدو ممداني أجرأ في تفكيك البنى الاستعمارية والتمييزية، ورفض البقاء في عالم ما بعد الحرب العالميّة الأولى، الذي تسيّدته سلطة ورواية الرجل الأبيض، في حين بقي أوباما ضمن الإطار النظامي الأميركي. أطلق ممداني هتافًا من الشارع، لأنّ شروط العدالة الاجتماعية لا تتوافر في "نظام مُحطّم منذ أمد بعيد"،  بينما أطلق أوباما وعدًا بترميم المؤسسات.

لقد حقّق خطاب "الرجل المهاجر" مجدّدًا، غاية النصر، وإن بتفاوت السياقات والمواقع والمقاربات. الأهمّ أنّ العدّاد انطلق إلى ما بعد الخطاب، الذي يؤسّس لمرحلة مبنيّة على هدم ما هو قائم، وبحجم هذا الرهان تتهيّأ التحدّيات.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث