لم يُسرق المتحف الوطني بدمشق فحسب، بل سُرقت معه قدرتنا على الغضب، على المواجهة، على أن نحزن كما يليق بالخسارة.
كلّ حدث صادم أو أزمة محلية تهزّ وعينا، لا تثير فينا الرغبة في الفهم، بل في المقارنة. كأننا لا نحتمل مواجهة السؤال الحقيقي، فنهرع إلى العالم بحثًا عن نظير يُطمئننا: "حتى اللوفر يُسرق"، "باريس ليست آمنة"، "هناك أيضًا يحدث ما يحدث هنا". كأنّ التشابه يخفّف الخيبة، والمقارنة تُصلح ما تهدّم فينا.
لكن ما الذي يدفعنا أصلًا إلى هذه المقارنات؟ هل نحاول أن نُقنع أنفسنا بأنّ ما يحدث لنا ليس استثناءً؟ أم أننا نُخفي في هذه التبريرات خوفًا أعمق من المواجهة، من الاعتراف بفشلنا في حماية ما هو أقرب إلينا من أي متحف بعيد؟ ربما لأننا اعتدنا أن نعيش في ظلّ السلطة لا في حضور الوطن، فصرنا نخلط بين ما يجب الدفاع عنه وما يجب مجاملته، بين الخسارة العامة ومكسب النظام الجديد في إثبات أنه "الأكثر استقرارًا". نواسي السلطة بالمقارنة، ونواسي أنفسنا بوَهمِ المشاركة في المنطق العالمي للفشل، فنبدو متفهمين بدلاً من أن نبدو ناقمين. وحين يُنهب الرمز، لا نرى الجريمة كلها، بل الجزء المسموح لنا برؤيته: الجزء الذي لا يُربك رواية السلطة، ولا يوقظ فينا ما خدّرناه طويلاً: الغضب. في قلب هذه المقارنات يكمن ما هو أبعد من التهوين النفسي: نمط ثقافي يعيد إنتاج العجز، ينسج مسافة بين ما يحدث وما نستطيع احتماله، ويمنح الفشل المحلي غطاءً من "المنطق" و"المقارنة العالمية". وهكذا، بدلاً من أن نواجه السؤال الحقيقي: لماذا فشلنا؟ نجد أنفسنا نعيد صياغته بصيغة مريحة: "ولمَ لا؟ أليست الأمم كلها تخطئ؟"
آلية دفاع نفسي وجماعي
المقارنة مع الخارج ليست مجرد عادة كلام، بل ردّ فعل نفسياً يشبه آلية الدفاع. الإنسان حين يتعرّض لحدث صادم أو يشعر بالعجز، يحاول أن يخفف الألم عبر إيجاد "نظير" للحالة، كأن يقول: "حتى غيرنا يعيش الشيء نفسه". فبحسب دراسة منشورة في مجلة Social Cognitive and Affective Neuroscience، عندما نقارن أنفسنا بالآخرين، ينشط في الدماغ مركز المكافأة المسؤول عن الإحساس المؤقت بالراحة. بمعنى آخر، المقارنة تُشعرنا بأننا لسنا وحدنا في الفشل، فنهرب من ثقل الصدمة بدلاً من مواجهتها. كذلك يشرح الباحث جيمس غروس من جامعة ستانفورد، أن الإنسان يلجأ إلى ما يُسمّى "إعادة التقييم المعرفي"، أي تغيير معنى الموقف في ذهنه بدلاً من تغييره فعلاً. مثلًا، بدلاً من القول: "حصلت سرقة لأننا فشلنا في الحماية"، نقول "حتى باريس تُسرق"، فنُسكّن الألم بالكلام، لا بالفعل.
وفي السياق السوري، أصبحت هذه المقارنات نوعًا من لغة نجاة جماعية. في مواقع التواصل، يتشارك الناس منشورات تُظهر أن ما يحدث في دمشق، يحدث في باريس أو نيويورك، وكأنهم يواسون أنفسهم بأنّ الخراب عالمي. لكن هذه اللغة المهدّئة تخفي أثرًا خطيرًا: فهي تقتل الغضب قبل أن يتحول إلى مساءلة، وتحوّل الفشل المحلي إلى قدر طبيعي لا يستحق المواجهة.
الذاكرة الجمعية: سياق التكيّف
سنوات الحرب الطويلة أعادت تشكيل الوعي الجمعي للسوريين. المواطن يعيش في توتر دائم: فقدان الخدمات الأساسية، الانفجارات المفاجئة، القصف المستمر، وانعدام الأمن، إضافة إلى الرقابة المشددة. في هذا المناخ، تصبح المقارنة مع الخارج أكثر من عادة، إنها آلية للتكيف النفسي، وسيلة للهروب من العجز اليومي. حتى أبسط الأمور اليومية تتحول مادة للمقارنات. انقطاع الكهرباء أو المياه، يتحول إلى فرصة للتذكير بأن "حتى أوروبا تعاني الانقطاعات"، وتكون السخرية المزاحية رد فعل نفسياً يخفف الضغط. الحرائق أو الكوارث البيئية تصبح مثالاً عالمياً لخفض التوتر، والفضائح السياسية والانهيارات المؤسسية تُقاس دائمًا بمقارنتها مع الخارج. الحوادث المرورية أو الانفجارات المفاجئة تصبح حديثًا يوميًا مصحوبًا بالمقارنات، وكأن المجتمع السوري يقول لنفسه: "ما حدث طبيعي عالميًا، إذن هو ليس فشلنا وحدنا".
دراسات تمحورت حول اللاجئين السوريين، أظهرت أن الحرب لم تغيّر الواقع الخارجي وحده، بل غيّرت شعور الناس بالانتماء والهوية والذات الجمعية. وجد الباحثون أن إعادة تقييم الأحداث اليومية، مثل المقارنات المستمرة مع الخارج، تصبح وسيلة نفسية لتخفيف الألم والصدمات، لكنها لا تعيد بناء إحساس الفرد بالمجتمع أو قدرته على التصدي للفشل المحلي.
تشييد خطاب المقارنة
في عهد الأسد، كانت وسائل الإعلام السورية أداة تكميم للغضب ولمساءلة الفشل. التلفزيون الرسمي، الإذاعات، والصحف الحكومية، عملت لسنوات على تقديم الواقع وفقاً لما تراه السلطة مناسباً، مع تشذيبٍ واضح للفضائح أو الانتقادات. النتيجة: فشل محلي يُطرح في وسائل الإعلام ليس باعتباره إخفاقاً يستوجب مساءلة، بل كجزء من "ردّ فعل طبيعي إزاء العالم المتحوّل". وفي هذا الإطار، تحولت المقارنات مع الخارج لغةً رسمية: "مشاكلنا مثل مشاكلهم" أو "حتى الدول الكبرى لديها عجز". خطاب يُستخدم عبر الإعلام الرسمي كوسيلة لتهدئة الجمهور وتحويل الغضب إلى صمت مقبول. بالتوازي، ظل الإعلام الرقمي، خلال الحرب، خاضعاً للرقابة والضبط، ما جعل الجمهور يميل إلى البحث عن "مجازات" في الأحداث العالمية، بدلاً من التفكير في الأسباب المحلية.
بما أن الإعلام الرسمي وفّر هذه "المقارنة المهدّئة" كآلية ضمنية، فإن الذاكرة الجمعية السورية ترسّخت على أساس أن التبرير بالمقارنة جزء من سلوك طبيعي تجاه الفشل. وبعد سقوط السلطة المركزية السابقة وتغيّرها، لم ينقضِ هذا النمط؛ بل بدّل شكله فقط. ما بعد الأسد، يبدو وكأنه ساحة إعلامية أكثر فوضوية، لكن عوامل التشتيت – المقارنات، التغاضي عن مساءلة محلية، استخدام وسائل التواصل لترويج رسائل مهدّئة – ما زالت نشطة. تحليل لـ Tahrir Institute for Middle East Policy يشير إلى أن التشتت الإعلامي بعد نظام الأسد بات يعتمد على التلاعب بالسرديات والمشاركة الجماعية للمقارنات والمعلومات المُعاد تدويرها. بهذا، يُصبح الإعلام أكثر من ناقل للخبر، بل جزءاً من شبكة واسعة لإنتاج الواقع الاجتماعي: الواقع الذي نحتضن فيه المقارنة كبديل للغضب، والصمت كبديل للمساءلة.
تطبيع الفشل
المقارنات المتكررة تؤدي إلى التطبيع مع الفشل. يصبح العجز أمرًا اعتياديًا، والكوارث اليومية تُقاس بمعايير خارجية. انقطاع الكهرباء أو المياه يُقاس دائمًا بـ"حتى أوروبا تعاني"، وغلاء الأسعار يُقاس بما يحدث في أميركا، وانهيار التعليم يُقاس بما يجري في اليابان. حتى الكوارث البيئية والحرائق تُحوّل إلى مادة مقارنة عالمية لتهوين وقعها داخلياً.
السخرية والضحك المصاحبان لهذه المقارنات ليسا ترفاً، بل آلية دفاع جماعية تضمّد الخوف والعجز، فتمنع المواجهة الحقيقية، وتحصر المجتمع في دائرة الركود النفسي والجماعي، حيث تُستنزف الطاقة النقدية في التهوين والطمأنينة الزائفة. هذا النمط يعكس تجربة طويلة من صدمة مستمرة وفقدان الثقة في المؤسسات، لتصبح تهدئة الضمير الجماعي أولوية على حساب الفعل الإيجابي للتغيير.
ورغم أن المقارنة قد تكون أداة للتعلم والتحفيز النقدي، إلا أنها غالبًا ما تُستخدم لتبرير الركود النفسي والجماعي. إعادة الغضب إلى مكانه الصحيح تعني مساءلة المؤسسات المحلية، تقييم الفشل بموضوعية، التفكير في الحلول الواقعية، ومواجهة القصور والمساءلة بدلاً من التلطّي خلف المقارنات. يجب تحويل المقارنة من ستار للطمأنينة إلى مرآة للفهم والتحليل، بحيث يبدأ الحوار النقدي عوضاً عن إنهائه بالتهوين. السؤال الحقيقي يبقى: "لماذا لم نعد نغضب حين يُسرق المتحف؟ ولماذا نختبئ خلف مقارنات عالمية بدلاً من مواجهة فشلنا نحن؟".
