لم تختلف جلسة الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، عن جلسات أخرى عقدها ترامب مع كبار زعماء العالم، بينهم القادة الأوروبيون في وقت سابق.. فالمكتب البيضوي الذي استقبل فيه الشرع، هو المخصص للجلسات العملية، وليس لاستقبالات بروتوكولية فحسب، وهو مؤشر على مناقشات تفصيلية وعملية، بمعزل عن كل الادعاءات في السوشيال ميديا التي تتجاهل السياق، وتتحدث عن شكليات، في الأصل خرقها ترامب بأكملها.
والتعليقات على تلك التفاصيل، تقفز فوق رمزية هذا اللقاء الذي وصفته كبريات المنصات الأميركية بأنه "حدث تاريخيّ" يطوي عقوداً من القطيعة مع دمشق ويكرس في الوقت نفسه تحولاً عميقاً في موقع سوريا في الاستراتيجية الأميركية بعد سقوط نظام الأسد.
إنجازات الزيارة
وقدمت وكالة "أسوشييتد برس" اللقاء كأول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال، وربطت بين دخول سوريا رسمياً في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، وبوادر إعادة فتح السفارة السورية في واشنطن، وتعليق جزء من عقوبات "قيصر" ضمن مهلة زمنية محددة، مع التشديد على أن الخطوة مشروطة بأداء السلطة الجديدة في دمشق وموافقة الكونغرس على أي تغيير جذري في المنظومة العقابية.
وفي الاتجاه نفسه قدمت وكالة "رويترز" الزيارة كذروة تحول مذهل في مسار الشرع نفسه وفي التموضع الجيوسياسي لسوريا، من قائد فصيل جهادي مصنف كإرهابي، إلى شريك محتمل في ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة، مع إبراز مسألة انضمام سوريا للتحالف والحديث عن تفاهمات أوسع تشمل أمن اسرائيل ومستقبل الوجود الإيراني والروسي.
صحافة النخبة
وقرأت الصحف المرجعية في واشنطن ونيويورك، المشهد، بعيون أكثر حذراً، حيث أعادت "واشنطن بوست" بناء سيرة الشرع من قائد مُلاحق، إلى رئيس يُستقبل في المكتب البيضوي بوصفها مفتاحاً لقراءة القرار الأميركي، مع طرح سؤال واضح حول ثمن الواقعية السياسية. وربطت تغطيتها بين الزيارة والنقاش داخل الكونغرس حول مصير عقوبات "قيصر"، ومستقبل الاستثمارات وضمانات عدم إنتاج منظومة قمعية جديدة في دمشق.
في المقابل، ركزت "وول ستريت جورنال" على البُعد الاقتصادي والاستراتيجي تمهيداً لاستقبال الشرع كجزء من مسار مقصود لفتح الباب أمام رؤوس الأموال الأميركية والخليجية في ملفات إعادة الإعمار والطاقة وتكريس سوريا الجديدة كعنصر في توازن إقليمي يحد من نفوذ طهران وموسكو، مع التعامل مع تعليق العقوبات كأداة ضغط لا كمنحة مجانية.
انتصار ترامب وسرديّة "القائد القوي"
واحتفت القنوات المحافظة وفي مقدمتها "فوكس نيوز" بالزيارة كدليل على "قدرة" دونالد ترامب على تحويل خصوم الأمس إلى حلفاء، وقدمت الشرع في صورة حليف جديد قوي في الحرب على "داعش" وضد نفوذ إيران، مع إبراز تصريحاته عن الشراكة مع واشنطن والاستثمار والغاز.
واختارت منصات يمينية شعبوية مثل "نيويورك بوست"، عناوين صادمة تذكر بالماضي مع قبول فعلي باللحظة السياسية الجديدة، ما دام الاعتراف بالشرع يقدم كإنجاز يحسب لترامب في إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية.
إعتراف بأهمية اللحظة
وحضرت في تغطيات "إيه بي سي" و"سي إن إن" وشبكات الأخبار الكبرى، صيغة مزدوجة تضمنت الاعتراف بأهمية اللحظة بوصفها اللقاء الأول بين رئيس سوري وإدارة أميركية في البيت الأبيض، مقابل تذكير تفصيلي بأن الضيف كان حتى وقت قريب موضوعاً في لوائح العقوبات والإرهاب الأميركية، وبأن رفع اسمه وتعليق بعض التدابير لا يغلقان باب المساءلة القانونية والأخلاقية.
وركّزت هذه التغطيات على غياب الصحافة عن الاجتماع المغلق بين الرئيسين، وعلى حساسية قرار تعليق جزء من عقوبات "قيصر" لفترة محددة وإحالته إلى نقاش أوسع في الكونغرس وبين جماعات حقوق الإنسان، حيث تتقدم أسئلة من نوع: أي نوع من العدالة يمكن أن يقوم في سوريا الجديدة إذا جرى تثبيت معادلة "الاستقرار مقابل النسيان"؟
منصات مثل "بوليتيكو" و"آكسيوس" تناولت الزيارة من زاوية هندسة القرار داخل واشنطن وتحدثت عن ضغوط لوبيات وشخصيات سورية وشرق أوسطية، وعن ربط اللقاء بملفات إعادة الإعمار، ودمج "قسد" في المؤسسة العسكرية السورية، واحتمالات صفقة أمنية سورية اسرائيلية برعاية اميركية، مع ابراز الانقسام داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي حول مدى التعويل على شخصية مثيرة للجدل مثل الشرع.
