قادت مجلة "لو بوان" الأسبوعية حملة التحريض ضد "المركز العربي للدراسات" في باريس، إلى جانب منظمات ولوبيات صهيونية في فرنسا، ما أدى إلى إلغاء ندوة حول فلسطين كانت مقررة هذا الأسبوع في العاصمة الفرنسية.
وقدمت "لو بوان"، وهي هي مجلة إخبارية أسبوعية فرنسية، الندوة، على أنها "حدث معادٍ للصهيونية" أو "تجمع مؤيد للفلسطينيين"، ما ساهم في خلق مناخ من الجدل والضغط السياسي والإعلامي أدى لاحقاً إلى قرار الإلغاء.
وتأسست المجلة العام 1972 على أيدي مجموعة من الصحافيين الذين تركوا مجلة "إكسبريس"، وتعتبر اليوم من أبرز المجلات السياسية والثقافية في فرنسا، وتُعرف بأسلوبها الحاد والمثير للجدل أحياناً. وتميل المجلة سياسياً نحو اليمين.
وأعلن معهد "كوليج دو فرانس" في باريس عن إلغاء ندوة كانت مقررة في 13 و14 تشرين الثاني/نوفمبر بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة" انصياعاً إلى الجدل الذي أثارته الندوة، وفقاً لبيان صادر عن إدارة المؤسسة.
وكانت الندوة، التي ينظمها المؤرخ هنري لوران بالتعاون مع "المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية في باريس" وُصفت من قبل عدد من الشخصيات بأنها حدث "مؤيد لفلسطين". وعلق يوناثان عرفي، رئيس ا"لمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا": "لم يكن هناك ما يبرر هذه الندوة"، معتبراً أن "المنهجية المنحازة والمشاركين المثيرين للجدل، وتاريخ الانعقاد غير اللائق في 13 تشرين الثاني/نوفمبر (ذكرى هجوم باتاكلان)" كانت جميعها "غير مناسبة".
أما "رابطة مكافحة العنصرية ومعاداة السامية" فوصفت الندوة بأنها "سوق معادية للصهيونية" وتحدثت عن "انحراف مؤسسة مرموقة عن مسارها، علماً أن "كوليج دو فرانس" تأسس في القرن السادس عشر، ومقره في العاصمة باريس وهي مؤسسة تعليمية وبحثية فرنسية كبرى.
وقال بيان "كوليج دو فرانس" الذي نقلته صحيفة "لوموند" الفرنسية: "يرى مدير كوليج دو فرانس نفسه مضطراً، بصفته رئيس المؤسسة والمسؤول عن سلامة الأفراد والممتلكات وعن سير الفعاليات بهدوء داخل أسوار الكلية، إلى إلغاء هذا الحدث"، مضيفاً أن المعهد "لا يتبنى ولا يشجع ولا يدعم أي شكل من أشكال النشاط السياسي" ومؤكداً على الالتزام الصارم بالحياد "تجاه المسائل ذات الطبيعة السياسية أو الأيديولوجية".
ووصف وزير التعليم العالي فيليب باتيست الإلغاء بأنه قرار مسؤول. وقال في "إكس": "الدفاع عن الحرية الأكاديمية يعني الدفاع عن نقاش حر ومتعدد ومحترم. هذه هي الرسالة التي نقلتها إلى مدير كلية فرنسا خلال الأيام الماضية".
في ضوء ذلك، أصدر "المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية" في باريس، وكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في "كوليج دو فرانس"، بياناً مشتركاً جاء فيه أن الإلغاء جاء عقب مقال نُشر في "لو بوان" بتاريخ 7 تشرين الثاني/نوفمبر، ونتيجة الضغوط المباشرة التي مارسها وزير التعليم العالي والبحث العلمي فيليب باتيست، بحجة "ضمان العلمية"، والذي برر بذلك تدخلاً سياسياً في مجال البحث الأكاديمي، في تناقض واضح مع مهمة الوزارة الأساسية المتمثلة في حماية الحرية الأكاديمية.
وأوضح البيان أن المؤتمر أُعد وفقاً لأعلى المعايير والإجراءات العلمية المتبعة، وشارك فيه باحثون وباحثات من جامعات مرموقة مثل "المدرسة الفيدرالية البوليتكنيكية" في لوزان، و"جامعة أمستردام"، و"المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية"، و"جامعة لندن"، كما حرص المنظمون على تعدد المحاور وتحقيق تنوع علمي ومنهجي واسع، سواء من حيث التخصصات أو المدارس الفكرية. وأشار البيان إلى أن اتهام هؤلاء الباحثين بمعاداة السامية أو بالنشاط السياسي هو اتهام باطل، يهدف إلى نزع المصداقية عن أعمال علمية محكمة ومنشورة في أهم المجلات الأكاديمية العالمية.
وحذر البيان من أن رضوخ إدارة "كوليج دو فرانس" لضغوط الوزير فيليب باتيست يهدد استقلال مؤسسة عريقة تأسست قبل أكثر من أربعة قرون، واحتضنت أبرز رموز الفكر الفرنسي من فوكو إلى بورديو، مؤكداً أن هذه الخطوة تخلق سابقة خطيرة، جيث سيكفي من الآن فصاعداً مقال جدلي أو تغريدة وزارية واحدة لفرض رقابة على أي ندوة تُعتبر "حساسة".
وأثار ذلك كله جدالاً في فرنسا، حيث أشار الكاتب والصحافي الفرنسي آلان غريش إلى أن إلغاء المؤتمر "فضيحة حقيقية". و"لإدراك ذلك، يجب أن نقرأ القرار في سياق سياسة حكومية تستهدف كل تعبير يتعلق بالقضية الفلسطينية ويختلف عن الخطاب الرسمي والإعلامي"، مضيفاً أن للقرار "جانباً خطيراً جداً يتمثل في أنه يمس بالحريات الأكاديمية لإحدى أرقى المؤسسات البحثية، كوليج دو فرانس، التي لها الحق في تنظيم مؤتمرات علمية من دون تدخل من الدولة. نحن هنا أمام ممارسة كانت معروفة أكثر في الدول الشمولية، وهو أمر لا يمكن فصله عما يحدث على الساحة الفرنسية في الوقت الراهن. ففرنسا هي البلد الأوروبي الذي قُمعت فيه الحركات التضامنية مع الفلسطينيين بشكل أشد من غيره في أوروبا، وحيث يُتهم هذا الحراك بتأييد الإرهاب. وهي ظاهرة مقلقة جداً يجب إدانتها".
بدوره، عبر الباحث والأكاديمي الفرنسي فرانسوا بورغا عن استنكاره للقرار: "نحن أمام مأزق فكري وحضاري عميق، ومن المهم أن يدين الجميع حول العالم هذه الأساليب التي تنتهجها الحكومة الفرنسية. فالمشكلة ليست في شيطنة الرأي الفلسطيني فقط، بل تتجاوز ذلك إلى شيطنة الدفاع عن القانون الدولي والمبادئ الإنسانية الأساسية"، واصفاً القرار بأنه "يعكس استسلام النخبة الحاكمة لضغوط اللوبي الصهيوني، حيث تشبه أساليب القوة الحاكمة حالياً في فرنسا في ما يخص الاحتلال في فلسطين أساليب الإدارة الأميركية، أو بالأحرى أساليب ترامب".
