طائر يلتهم المدينة...طائرٌ يلتهمني

بتول يزبكالاثنين 2025/11/10
Image-1762803720
"حديقة الملذات الأرضية" للهولندي هيرونيموس بوش (1450-1516)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الرّسم، طائرٌ غرائبيٌّ كبيرٌ له أرجل، قد يصعب على المتفرّج تحديد إذا ما كان غرابًا أو نسرًا أو دجاجة. للوهلة الأولى يبدو مخلوقًا خرافيًّا، عيناه عينا بومةٍ، ومنقاره منقار دجاجةٍ، وله ما يبدو كرعثةٍ، يغطّيها قدرٌ على رأسه، ولونه أزرق كلون ببغاءٍ استوائيٍّ. ها هو يأكل إنسانًا بيدٍ واحدةٍ، حوله عشرات الأجساد العارية، كائناتٌ فانتازيّةٌ، بعضها يصيح، بعضها يقرع الطّبول ويعزف زمّارةً، بعضها يتفرّج وبعضها الآخر ينتظر أن يؤكل.. أحدّق قليلًا، تحت سيقان الطائر المحشورة بقدورٍ، ثمّة شابّةٌ عاريةٌ منتفخة الرّحم، ربّما ميّتةٌ، تحوّل قلبها إلى شيءٍ أسود غير مفهومٍ، يطوّقها أرنبٌ على هيئة ذئبٍ. الطائر شبه الخرافيّ يلتهم جسدًا، وهو جالسٌ على مقعدٍ أشبه بالعرش، أو بكرسيٍّ يوضع في حانات الجاز. يأكل وهو يتبرّز الجسد الذي أكله توًّا في فقاعةٍ شفّافةٍ إلى حفرةٍ هلاميّةٍ من الأجساد المهروسة، ثمّة من يرمي قطعًا نقديّةً في الحفرة ذاتها، وآخر يتقيّأ، فضلاتٌ بشريّةٌ، وبشرٌ باتوا فضلاتٍ.

 

لو كان لديّ بعض العمق الذي أحاول إقناع نفسي والناس به، لكنت وضعت أطروحةً كاملةً عن معاني اللوحة، "الحديقة الكابوسيّة"، وعن رؤية رسامها هيرونيموس بوش، الذي ظلّ عقودًا اسمه مرادفًا للهرطقة والزّندقة، حتّى نزلت كراماته على السّورياليّين من بعده. إلّا أنّ خبرتي المديدة، بالأرق طبعًا، علّمتني ألّا أغالي وأوغل في الشّروحات، بل أكتفي بالتقاط خيط الفكرة، لأتدفّق مع الرّغبة اللّجوجة وغير المفهومة للكتابة، وأمضي في مخاضي الشّاقّ لتأليف ما لم يؤلّف بعد، "أضحك على نفسي...ولّى زمن التأليف".

 

هذا الطائر هو الوحش المتربص بالمدينة، نشاهده 24/7 في التلفزيون، الهاتف، السّماء الأشد زرقة، وفي الطبقات الجيولوجيّة من الأجساد المقتولة ظلمًا.

 

أبقى مستيقظةً حتّى تنام بيروت، أتأمّل المشهد الأبوكاليبسيّ هذا وقلبي ينكسر، إنّهم نيامٌ، جميعهم نيامٌ. وكائنات بوش منذ خمسمئة سنةٍ تؤكل أبدًا، هي عالقةٌ في دوّامةٍ من أكل نفسها وتبرزه...ونحن هنا نؤكل.

 

بابا ، قال أكثر من مرّةٍ إنّ عادة السّهر الطويلة هي أشبه بطقسٍ صوفيٍّ عضويٍّ لديّ، "ضلّيتك قصيرةً لأنّك ما كنت تنامي متل الولاد بالليل!". منذ أن أبصرت النور وأنا لا أنام إلّا قبيل مطلع الفجر، فقط عندما كانت النوافذ تتثاءب وأمّي تكاد تفقد صبرها وتقتلني، المهمّ، أبقى مستيقظةً حتّى تنام بيروت، أشاهد وأسمع وأصلّي وأجلد نفسي وأحترق، وأجمع فتات المعرفة، من كلّ حدبٍ وصوبٍ، مع نفسي بهدوءٍ، كي لا أوقظ أحدًا منهم.

 

لست عدوّة المرح طبعًا، ولا أكره الصباحات الهانئة، لكن رأسي يؤلمني دائمًا وحسب، ومن عليائها تبدو فكرة أن يصمت العالم قليلًا، ويكفّ ضجيجه عنّي ولو ساعاتٍ، مستساغةً، تعطي لأيامي رونقها الخاصّ. لكن عندما أشعر أنّ الطائر الخرافيّ يقدّم رأسي ويبرزه في حفرةٍ لزجةٍ، يبدو كلّ شيءٍ واضحاً، حتّى اللحظات القليلة التي أشعر فيها بالرّضى والامتنان، تبدو حمقاء.

 

لا يسبّب الحزن كلّ هذا الألم، بل انتفاء اليقين، الشكّ الحارّ الذي ينخر عينيّ، والخوف المتربّص بي، من أن ينفجر رأسي بسرعةٍ خاطفةٍ، وأن أنطفئ وحيدةً، أن أموت هكذا بلا أبّهة، بلا أن أنهي ما تبقى لي من دَين عُمري، من حلمي، أن أهرب من هذه المدينة إلى المدينة، أنّ أموت هكذا. لكن من سيعبر بي إلى العالم الآخر؟

 

لذلك، سأكتب الليلة:

الزمن يطقطق بشرفة المبنى المهجور – المسكون،

عشبٌ نامٍ بين الحجارة المتشقّقة،

أخضرٌ هو العشب النّامي، ومخضوضرةٌ هي الشّرفة،

إنّها روح المتوسّط، تأويلٌ للحياة العنيدة،

من يلمحه؟ من يراه؟ من يُحدّق؟ 

تدريجيًّا، نعم تدريجيًّا، هذا الوهن الذي ينخر العظام بات ينحسر،

وصار بإمكاني القول إنّني سأغادر إلى هناك،

حيث لن أعود،

لا في الزمن الخطّيّ الخاصّ بي ولا ذاك الذي في رأسي.


الشابات بالحلق الذهبيّ والشعر المرفوع. الرائعات جدًا، السّاذجات غالبًا. 

سأغمض عينيّ حين تمرّ واحدةٌ منهن. الحبّ مشطورٌ هناك بين الّتي ترفع شعرها وأخرى تسدله.

الحبّ بشجاعته هو مصدر الحنين والأسى. 

أخسر قلبي كل يوم تحت عتبة الكثرة. 

ضعفي أكتبه خلسةً، لا أحد يقرأ. 

الشمس في وجهي تُفرقّع. النمش البشع يظهر ومعه تضاريس وجهي المتعرّجة. 

أنفي، منقار غراب.

شعري، طُحلبٌ عفن. 

وجهي، مستديرٌ كرغيف خبزٍ لا رائحة له. 

هناك الصبيّة تشرب كوكتيلاً أزرق.. هناك الشاب يجلس جانبها، يُمسد زنديها اللامعين بلا شهوة.

وأنا هنا، ببشرتي الشاحبة، وكتفيّ المترهلين.

تدريجيًّا، نعم تدريجيًّا، هذا الخوف الرابض بأذرعه فوقي بات يتحلل. 

وصار بإمكاني القول أنّني سأغادر إلى قاع القاع

حيث لن أعود

لا في الزمن الخطيّ الخاص بي أو ذاك الذي في رأسي. 

 

في رأسي دودةٌ

خطيرةٌ وغير متوقّعة، 

مثل ضربة الشفرة المفاجئةٍ على الجلد،

مثل عضة النحلة، 

مثل الحرقة الّتي تُفرقّع في المعدة بعد كأسٍ سريع. 

أيّتها اللحظات المطلقة، الراكضة بلا هوادة، 

هذا السأم الذي ينخر مسامي يتدحرج نحو جوفي،

تدريجيًّا، نعم تدريجيًّا، بات الخدر في جوفي يستكين.

وصار بإمكاني القول أنّني سأغادر إلى غير الرجعة..

***

"بعدنا، من يقصد الكروم؟ من يملأ السّلال". بيروت خاليةٌ. لولا مغالاة المسيّرة التي تحلّق فوق رأسي بطنينها، ولولا السيّارات الهارعة نحو وجهةٍ لم أستطع تحديدها، لظننت بيروت مدينةً مهجورةً. كنت أسمع فيروز، للمرة الأولى أتعمّد أن أصغي إلى فيروز، هكذا في العلن، في الشارع العموميّ. لكنّها كانت معي في الشارع الخالي، في أذني، وأنا لا أدري أين أذهب بكلّ هذا الضّيق في صدري. كأنّ فيروز قبضت على غامضٍ مستقرٍّ في داخلي فانتشلته بعد توارٍ مديد.


"بعدنا… هل تنزل النجوم؟".

أين أنا؟ أنهيت المشي حتّى صرت عند أوّل تقاطعٍ في بشارة الخوري، أعبر منتصف طريقٍ خاليةٍ، أركض، لم أجد تاكسي يأخذني إلى وجهةٍ غير محدّدةٍ بعد. يا الله، صوت فيروز البلّوريّ في أذني، حارٌّ وانفجاريٌّ، صوتها يرافقني من حيث بدأت المشي من ساحة ساسين، كانت مكسورة الخاطر مثلي، أتوهّم، أو لعلّها غنّت كمكسوري الخواطر الذين لا كلمات تطيب خواطرهم، إلى ذلك الحدّ الذي تنساب فيه المرارة والسّأم والشّجن من قلوبهم كسائلٍ لزجٍ، كسائلٍ قانٍ لزجٍ. 

 

أنا المشرّدة الوحيدة طوعًا في بيروت.

المدينة تقتات على تضرّعاتٍ وصلواتٍ بالنّجاة، وأقتات أنا على هذا الحزن الشفيف اللاذع، على المستقبل الغامض المستقرّ في "بعدنا"، لم يخبرني أحدٌ أنّ الحزن أشدّ التضرّعات صدقًا، وأثقلها وطأةً. لا بأس بذلك، لا بأس..

 

في رأسي شيءٌ مثل "الهلاوس الموسيقيّة"، سمعٌ داخليٌّ لا ينفكّ، والطائر في رأسي يرقص على إيقاع "بعدنا"، ثمّ يأخذ تاكسي لينزل نحو البحر، إلى الرّملة البيضا، بلا التفاتٍ لحجمه الأسطوريّ، بلا التفاتٍ لحجم مغالاة بشاعته. هو سورياليٌّ مثل هذه المدينة، ينزل بسرفيس إلى البحر ليأكل من تبقّى منّا، ليأكل الأكثر رقّةً وضعفًا فينا، العاديّ في مدينةٍ غير عاديّةٍ، يأكل من تبقّى، ويرفع مرساة المدينة، ويبحر بها بعيدًا.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث