بعد 10سنوات...جراح الناجين من هجمات باريس لم تندمل

المدن - ميدياالاثنين 2025/11/10
Image-1762769710
الباريسيون يستذكرون ضحايا الهجمات الإرهابية على عاصمتهم قبل عقد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد مرور عقد على ليلة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 التي قتل فيها 130 شخصاً وجرح المئات في العاصمة الفرنسية باريس،  خلال "مجزرة باتاكلان"، يتحدث ناجون وأقارب ضحايا عن الجرح الجسدي والنفسي الذي لم يندمل بعد، وعن محاولات الصمود وإيجاد معنى للحياة بعد الفقد.

 

وكانت إيفا وبلال بين مئات الجرحى، ومازال ستيفان وإريك وأوريلي وصوفي يحيون ذكرى أحبائهم الذين فقدوهم. وبعد عقد من المأساة، تحدثوا لوكالة "فرانس برس" عما يكابدونه بعدما تبدلت حياتهم إلى الأبد. وقالت إيفا (35 عاماً): "لدي ندبة كبيرة على ذراعي"، مضيفة أنها تشعر بنظرات الناس إليها في الصيف، وفكرت في الخضوع لجراحة تجميلية، لكن "الأمر معقد على البشرة السمراء". وأضافت الشابة الباريسية التي تروي قصتها علناً للمرة الأولى: "مرت عشر سنوات، إنها جزء مني الآن".

 

ووجد بعض الناجين وأسر الضحايا عزاءهم في الكتابة أو رواية تجاربهم أو التواصل مع من مروا بالتجربة نفسها لمحاولة إعادة بناء حياتهم، علماً أن الهجمات الإرهابية استهدفت "قاعة باتاكلان" للحفلات ومقاهي ومطاعم في باريس وملعب "ستاد دو فرانس" في ضاحية سان دوني.

 

في تلك الليلة المشؤومة، كانت إيفا تحتفل بعيد ميلاد صديقتها في مطعم "بيل إكيب". كانت تدخن على الشرفة مع ثلاثة أصدقاء عندما فتح مسلحو تنظيم "داعش" النار، فقتلوا 21 شخصاً. ومازالت إيفا تتذكر "الصمت المروع" بين دفعات إطلاق النار، فيما أصيبت برصاصات عديدة في الجانب الأيسر من جسدها، بينها قدمها، واضطر الأطباء لبتر ساقها تحت الركبة. واليوم، قالت إيفا التي تضع طرفاً اصطناعياً أنها "بخير إلى حد ما" رغم أن "الحياة ليست سهلة كل يوم". وعاودت ارتياد مقاهي باريس، لكنها "لن تجلس أبداً وظهرها نحو الشارع". وبالنسبة إلى بعض الناجين وأقارب الضحايا، تحيي الذكرى مشاعر الخوف والرهبة.

 

وقال بلال مكونو، الذي أصيب في تفجير انتحاري قرب ملعب "ستاد دو فرانس" وأصبح على كرسي متحرك: "ما حصل يطاردنا"، موضحا أنه "لم ينم جيدا" منذ تلك الليلة. وفقد الشاب القدرة على الحركة في ساقيه، وأصيب بصمم في أذنه اليسرى، وذراعه اليمنى "ما زالت هشة جداً". أما في الملعب، فكان القتيل الوحيد مانويل دياس (63 عاماً). وقالت ابنته صوفي: "نشعر بغيابه كل يوم"، معربة عن خشيتها من أن يمحى ذكر والدها، مؤكدة أهمية إحياء الذكرى العاشرة. في المقابل، رأى فابيان بوتي، صهر أحد الضحايا نيكولا ديغنهارت (37 عاماً) الذي قتل في مقهى "بون بيير"، أنه "لا يمكن أن نعيش 13 تشرين الثاني/نوفمبر مراراً وتكراراً"، مشيرا إلى أن هناك "مآسي كثيرة أخرى في فرنسا والعالم". وأكمل بأنه بات "أفضل حالاً" بعد فترة من "الأفكار السوداء"، لكنه مازال يبكي حين يتذكر ما جرى. وأضاف أن "المحاكمة ساعدتني".

 

والمحاكمة التي استمرت عشرة أشهر بين العامين 2021 و2022 انتهت بالحكم على صلاح عبد السلام، الفرد الوحيد الباقي على قيد الحياة من مجموعة المهاجمين، بالسجن مدى الحياة. وكتبت الكاتبة أوريلي سيلفستر، التي فقدت شريكها ماثيو جيرو في هجوم باتاكلان، رواية عن التجربة. وقالت: "الكتابة تساعدني على جمع شظايا حياتي ومحاولة تركيبها مجدداً". وأضافت: سيلفستر: "أنا بخير، بخير جداً رغم كل شيء، لكنني أربي وحدي طفلين قتل والدهما". وفي إحدى أمسيات تشرين الأول/أكتوبر، حضرت سيلفستر حفل إطلاق كتاب جديد لأحد الناجين من باتاكلان، آرثر دونوفو، بعنوان "العيش بعد باتاكلان". وقالت:  "اليوم، 80% من عالمي العاطفي يتكون من ضحايا مثلنا، يمكننا أن نضحك كثيرا وأن نبكي كثيراً أيضاً".

 

لكن بعض الناجين لم يتحملوا فترة ما بعد الهجمات. فالكيميائي غيوم فاليت ورسام القصص المصورة فريد دوفيلد أنهيا حياتهما بعد معاناة طويلة مع الصدمة النفسية. وقالت أرليت وآلان والدا غيوم أن صوته راسخ في ذاكرتهما حين قال "لن أنسى صوت الرشاشات أبداً". بعد وفاته في مستشفى للأمراض النفسية، خاض والداه معركة للاعتراف به كـ"الضحية الرقم 131" في هجمات 13 تشرين الثاني/أكتوبر، وأضيف اسمه إلى النصب التذكاري بجانب اسم دوفيلد، الذي انتحر العام 2024.

 

وبحسب الطبيب النفسي تييري بوبيه، تحسنت خدمات علاج الصدمات النفسية في فرنسا منذ 2015، لكنها ما زالت محدودة في بعض المناطق. ويضيف “حتى اليوم، هناك ضحايا من هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر لم يلجأوا إلى العلاج خوفا من ألا يفهموا”، مؤكدا أن “الأوان لا يفوت أبدا”.

 

وحين قتلت لولا، ابنة الصحافي إريك أوزونيان البالغة 17 عاماُ في باتاكلان، قال له المعالج النفسي: "لن تتجاوز الأمر أبداً، وستشعر بالوحدة دائماً". وقال أوزونيان البالغ 60 عاماً اليوم وهو يدخن سيجارة ويشرب القهوة: "بعد عشر سنوات، مازال هذا صحيحاً. لا يمكن التعافي من فقدان ابنة".  ورفض أوزونيان العام 2015 حضور مراسم التكريم الرسمية في مجمع أنفاليد، وكتب مقالاً انتقد فيه الدولة لسياستها الداخلية التي خلقت ما سماه "مناطق يأس" خرج منها بعض المهاجمين، مؤكداً أن ظروف تلك الأحياء لم تتحسن، وسكانها مازالوا "منبوذين" من السلطات. وانتقد أيضاً ما سماه السياسة الخارجية الفرنسية الكارثية في الشرق الأوسط التي عرضت البلاد للخطر، معتبرا أن الرئيسين السابقين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند لم يتحملا المسؤولية.

 

ورد هولاند في تصريح لـ"فرانس برس" بأن المهاجمين استهدفوا "الحرية والتعايش والتعددية"، مضيفاً أن "هذا ما لا يستطيع الإرهابيون تحمله". وقال المؤرخ دوني بوشانسكي أن الدراسات أظهرت أن الفرنسيين باتوا أقل قدرة على تذكر جميع مواقع هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر، وإن بقيت باتاكلان الأكثر حضورا في الذاكرة. أما رومان، أحد الناجين من هجوم مطعم "بيل إكيب"، فقال أنه يتكلم اليوم كي "لا يختزل الحدث في مجزرة باتاكلان وحدها". وأضاف الشاب البالغ 34 عاماً: "أحيانا نشعر بأننا منسيون". وبعد الهجوم بسنوات، أصبح رومان معلماً: "قلت لنفسي أن تدريس التاريخ والجغرافيا أمر ضروري، ليس فقط لمنع تكرار ما حدث، بل أيضاً لنقل قصتنا إلى الجيل الجديد".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث