"في ميّ عندكم اليوم؟"...الذاكرة والمياه مقطوعتان

سالي عليالأحد 2025/11/09
Image-1762639563
"يوم ضائع آخر" تجهيز للفنان السوري عصام كرباج
حجم الخط
مشاركة عبر

أصعد إلى السطح في ظهيرةٍ مثقلة بالشمس كأنّ السماء نفسها تتنفس بصعوبة. الهواء حادّ وجافّ، والخرسانة تحرق باطن القدم، وكل خطوة تبدو اختباراً للصبر. هناك، عند الزاوية، يقف الخزان الأسود ساكناً مثل كائنٍ أصيب بالشيخوخة باكراً، ينتظر الماء بصمت من فقد الأمل. أنظر إليه وأشعر أنه يشبهنا نحن السوريين تماماً؛ يتنفس فقط حين يدور الموتور، ويختنق حين تنقطع الكهرباء، يعيش على حافة الحاجة والانتظار، مثلنا جميعاً، متشبثين بما نستطيع السيطرة عليه في بلد يسرق منا حتى الأشياء البسيطة.

 

منذ سنوات أصبح هذا الخزان جزءاً من صورتنا اليومية، كما تصبح التجاعيد جزءاً من الوجه لا يمكن محوها. نرتبه بعناية، نحرسه كما نحرس أسرارنا ونكتب عليه بخطٍ واضح: خزان بيت فلان، الرجاء عدم اللمس. كأننا نعلن ملكيتنا للماء، كما نعلن خوفنا من الآخرين. كم غريب أن نصبح حراساً للماء في بلادٍ كانت تعرف المطر أكثر مما تعرف الكهرباء، وأن نتحول من أبناء الغيم إلى موظفين عند خزانٍ بلا روح نراقب مستواه ونحسب قطراته كما نحسب دقات القلب.

 

أتذكر أيام الطفولة حين لم يكن في البيوت خزان واحد! لأن الماء كان يأتي بلا إذن، والمطر بلا مواعيد. كنا نعرف أن الشتاء سيأتي لا محالة، وأن السماء كريمة بما يكفي لتروينا جميعاً. أمي كانت تقول: الماء بركة، لا تشتكي منه. كانت تصبّه على الأرض لتغسل الغبار كأنها تعيد للحياة توازنها البسيط، وكأنها تخبرنا أن لكل قطرة قيمة ولكل قطرة قصة. أما اليوم فالماء نفسه أصبح مشروعاً يحتاج إلى تخطيط ومتابعة، جدول تعبئة، مؤشرات، مضخات، مواعيد للاغتسال، وحسابات دقيقة للكمية المتبقية. صار الماء واحداً من طقوس القلق اليومية، وأصبحنا جميعاً مدراء أنابيب ومراقبين لكل قطرة.

 

كل بيت في الحي يملك خزانًا يشبه الآخر، لكن أحداً لا يشارك أحدًا. كلٌّ يراقب مياهه. كأننا فقدنا الثقة في كل ما هو مشترك. زمان، كان جيراننا يتقاسمون الخبز والملح والمطر، والآن كل خزان هو جزيرة صغيرة فوق السطح تحيطها أسلاك بلاستيكية وأنابيب، ومخاوف لا تُقال. أقف عند زاوية السطح، أنظر إلى صفٍّ طويل من الخزانات السوداء، متلاصقة كأنها توابيت بلا شواهد، كل منها يحمل سيرة بيتٍ متعب، وامرأةٍ تنتظر الماء لتغسل، ورجلٍ يقلّب مفتاح المضخة بقلقٍ يشبه التوسل، وطفلٍ يضحك حين يرى الماء ينساب من الحنفية كما لو أنه يرى معجزة. في تلك اللحظات الصغيرة، أرى صورة بلدٍ كامل يعيش على حافة الانقطاع: في سوريا كل شيء مؤقت، كل شيء يُخزَّن، حتى الحنين، وكلنا يعد الأيام حتى يأتي يوم لا نفكر فيه في الماء قبل أن نفكر ببساطة في العيش.

 

الخزان على السطح ليس مجرد وعاءٍ نحفظ فيه الماء؛ بل مرآة لِما أصبحنا عليه. هو خلاصة علاقتنا المربكة بالحياة، وتذكير دائم بأننا نعيش إدارة ذاتية لكل شيء: للماء، وللكهرباء، وللحلم. أصبحنا نعتمد على أنفسنا في كل ما كان من المفترض أن يأتي من السماء أو من الدولة. رفعنا خزاناتنا الخاصة لأننا فقدنا الإيمان في الخزان الجماعي، فبنينا فوق كل بيت دولةً صغيرة تملك ماءها وحدودها وهمومها الخاصة. أحياناً حين يفيض الخزان لأننا نسينا إغلاق المضخة، أشعر بسعادةٍ غريبة. الماء المتسرّب على السطح يبدو كأنه يضحك علينا، كأنه يقول: ما زلت هنا. أحياناً أتركه يتسرّب عمداً، لأتذكّر أن السماء لم تنسَنا تماماً وأنها قادرة على أن تفتح حنفيتها يوماً ما بلا إذنٍ من أحد.

 

في المساء، حين أفتح الحنفية ويأتي الماء متثاقلًا، أشعر أن شيئاً من الكرامة يعود مؤقتًا. صوت الماء وهو يصطدم بالمعدن يجعلني أصدق للحظة أن الحياة ما زالت ممكنة. أملأ الغلاية وأقول في نفسي: مرّت الأزمة. لكنني أعرف أن الأزمة لم تمرّ إنما استقرت في تفاصيلنا اليومية؛ في الخزان، في الموتور، في الانتظار الذي صار عادة وفي كل ثانية نراقب فيها قطرات الماء كأنها ثروتنا الوحيدة.

 

الخزان في عمقه يشبه الدولة الصغيرة التي صنعناها لأنفسنا كي نحمي ما تبقّى منا. هو الذي يقرر متى نشرب، ومتى نغسل، ومتى نتنفس. نملأه حين نقدر، ونشتمه حين يفرغ، ثم نعود لنخدمه لأنّه لا بديل منه. لقد صنعنا منه سلطةً صامتة تحكمنا، بكمية ما نملكه من الماء، لا بما نملكه من الأمل، لكنها أيضا تذكرنا أننا قادرون على الصمود. ومع ذلك لا أكرهه. حين ألمس سطحه المعدني البارد بعد الظهيرة، أشعر كأنني ألمس ذاكرة قديمة، حينما كنا نركض تحتَ المطر بلا خوف من المرض أو الغياب. كان الطين على أحذيتنا علامة حياة لا وسخ، وكان صوت المطر فوق السقوف موسيقى يعرفها القلب قبل الأذن.

 

اليوم حين أسمع المطر يضرب سطح الخزان، أضع كفّي عليه كمن يحيّي صديقًا قديماً عاد للحظة ثم رحل. ربما سيأتي يوم ندفن فيه هذه البراميل السوداء، ونعود لنشرب من سماءٍ واحدة تروينا جميعاً. لكن، حتى ذلك الحين، سنبقى نصعد إلى السطح كل أسبوع كي نتحقق من مستوى الماء ونقيس حياتنا بارتفاعه أو انخفاضه، ونتبادل التحية من خلف البراميل: في ميّ عندكم اليوم؟

 

سؤال بسيط جداً لكنه يحمل كل ما تبقّى من معنى الجماعة في هذا البلد. نحن أبناء الماء الذي تغيّر لونه، وأبناء السماء التي صارت حذِرة. ومع ذلك، حين يدور الموتور ويبدأ الماء بالاندفاع في الأنابيب، نشعر تلقائياً أن فينا شيئاً ما زال ينبض. أننا وبالرغم من كل شيء، لم نفقد الإيمان بأن للسماء ذاكرة وأنها ستتذكّرنا يوماً، كما نتذكّرها الآن ونحن نملأ خزاناتنا وننتظر المطر الذي لا يأتي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث