توأمة غازي عنتاب-حلب: تركيا تنافس باكراً على إعادة الإعمار

مصطفى الدباسالجمعة 2025/11/07
Image-1762519512
رئيسة بلدية غازي عنتاب، فاطمة شاهين، أمام قلعة حلب (إعلام تركي)
حجم الخط
مشاركة عبر

نشرت رئيسة بلدية غازي-عنتاب التركية، فاطمة شاهين، مقطع فيديو في صفحاتها الرسمية، ظهرت فيه أمام قلعة حلب معلنة من قلب المدينة القديمة استمرار مشاريع الترميم ودعم البنية الخدمية في إطار بروتوكول "التوأمة" بين حلب وغازي عنتاب، الذي حول المدينتين رسمياً إلى "مدينتين شقيقتين" قبل أشهر. 

 

 

شباب حلب يتقنون التركية

وأكدت شاهين في الفيديو أن فرقاً فنية تتابع العمل على ترميم ساعة باب الفرج وبعض المدارس المتضررة والحدائق العامة، وأن بلدية غازي عنتاب ستواصل الوقوف إلى جانب حلب في مرحلة التعافي، مشيرة إلى ما تسميه "التراث المشترك" بين المدينتين، وإلى أن كثيراً من شباب حلب باتوا يتقنون التركية بعد سنوات اللجوء ما يسهل وفق خطابها هذا التعاون المباشر.

وجاءت زيارة شاهين إلى حلب ضمن وفد تركي رسمي ضم نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية والمسؤولة عن سياسات البيئة والتخطيط العمراني سيفيلاي تونجر وشخصيات حزبية وإدارية أخرى، حيث استقبلهم محافظ حلب عزام الغريب في مقر المحافظة. 

وبحث الجانبان بحسب ما نشرته وسائل إعلام تركية وعربية نقلاً عن "سانا" ووكالة "أناضول"، آليات تفعيل اتفاق "المدينتين الشقيقتين" في مجالات متعددة تشمل الثقافة والآثار ترميم الأبنية التاريخية والدينية والنظافة والخدمات والطرق والجسور والصحة والموارد المائية، إلى جانب مشاريع قيد النقاش تتعلق بتحسين الربط الطرقي بين حلب وغازي عنتاب كمسار اقتصادي ولوجستي داعم لحركة التجارة والعودة الطوعية للاجئين.

 

جزء من استراتيجية "العودة الطوعية والآمنة"

وتسنتند اتفاقية التوأمة  إلى اتفاق وقّع في 29 أيار/مايو 2025 بين بلدية غازي عنتاب ومحافظة حلب، ونصّ على تعاون مؤسسي في إعادة الإعمار وإدارة النفايات وتنظيم المرور والإنارة ودعم القطاعات الخدمية ووتشجيع التنمية المحلية بما يخلق بيئة مناسبة وآمنة لعودة السوريين الذين عاشوا في غازي عنتاب ومحيطها.

وفي سياق التصريحات التركية الرسمية المرتبطة بالاتفاق جرى التأكيد على أن تحسين ظروف العيش في حلب عبر هذه المشاريع المشتركة جزء من استراتيجية أوسع لـ"العودة الطوعية والآمنة"، مع إبراز غازي عنتاب بوصفها شريكاً مباشراً للمدينة السورية لا مجرد وسيط حكوم  وباستخدام لغة تشدد على الأخوة والتاريخ الواحد بين المدينتين.

 

رمزية حلب

ويمنح اختيار قلعة حلب ووسط المدينة القديمة مسرحاً مصوراً لهذا الخطاب الرسالة بعداً رمزياً مضاعفاً، فالقلعة المسجلة في لائحة التراث العالمي، والأسواق والجوامع والمدارس التاريخية المحيطة بها تحولت منذ سنوات إلى أحد أكثر ملفات ما بعد الحرب رمزية، ويرتبط ترميمها بسؤال أوسع حول من يكتب رواية إعادة الإعمار ومن يملك حق التدخل في الذاكرة البصرية لعاصمة الشمال السوري.

وحضرت في مقاطع الفيديو والتغطيات التركية المرافقة للزيارة مفردات مثل "إرث الأجداد" و"التراث المشترك" إلى جانب صور الورش والفِرق الفنية ما يربط الدعم البلدي التركي بخطاب الهوية الثقافية الذي استخدمته أنقرة في تجارب سابقة في مناطق أخرى من المنطقة.

 

تعاون خدمي

في المقابل، تقدم الرواية الرسمية السورية للقاء على أنه تعاون خدمي لتعزيز صمود المدينة وتحسين خدماتها الأساسية من دون التوقف عند حساسية انخراط بلدية تركية كفاعل مباشر في هذه الملفات، مكتفية بالتأكيد على أن التعاون يجري في إطار احترام السيادة السورية وضمن رؤية إعادة الإعمار بعد سقوط النظام السابق. 

ويلتقي هذا التوصيف، مع الخطاب التركي الذي يحرص في هذه المرحلة على إظهار التنسيق مع السلطات القائمة في حلب، وعلى ربط كل مشروع عمراني أو ترميمي بعنوان "دعم سورية في مرحلة التعافي" وتخفيف أعباء اللاجئين عبر تهيئة مدنهم الأصلية.

 

تركيا تحجز مكانها

ويرى البعض أن إعادة إدخال حلب في خريطة الاهتمام التركي، يمر ايضاً من بوابة الاقتصاد إذ يسمح تطوير محور حلب–غازي عنتاب بخلق ممر تجاري جديد للسلع والاستثمارات التركية نحو الداخل السوري، وربط السوقين ضمن منظومة لوجستية واحدة بما يعزز موقع غازي عنتاب كبوابة إقليمية ويمنح أنقرة وزناً إضافيًا في رسم معادلة إعادة الإعمار في مواجهة فاعلين آخرين يسعون إلى الحضور في حلب من دول إقليمية إلى مؤسسات دولية وهو ما يحول الاتفاق البلدي إلى ورقة نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد.

 

هذا المسار يتقاطع أيضاً مع التعاون الاقتصادي، حيث تفتح الطرق والممرات والخدمات أمام تدفق البضائع القادمة من غازي عنتاب وغيرها في حين تبقى الصناعات المحلية، التي دمرتها الحرب وانقطاع الكهرباء وغياب الحماية الجمركية، عاجزة عن المنافسة في مواجهة سلعة أرخص وأعلى جودة نسبياً ومدعومة بشبكات نقل وتمويل منظمة، وهو ما يهدد بتحويل بروتوكول "المدينتين الشقيقتين" إلى منصة لترسيخ تبعية اقتصادية أحادية الاتجاه ترسخ حضور العلامات التجارية التركية في الواجهة، وتدفع المنتج الحلبي إلى الهامش في مدينة كان اقتصادها الصناعي والتجاري لعقود مصدراً لتوازنها واستقلاليتها، قبل أن تتحول اليوم إلى سوق مفتوحة لسلعة الجار الذي يشارك في إعادة إعمار حجارتها ويتحكم تدريجياً في رفوف محالها في آن واحد.

 

أسئلة سيادية وثقافية

خلف هذه اللغة الدبلوماسية الناعمة، تثير مشاهد شاهين أمام قلعة حلب، وإحالة بروتوكول "المدينتين الشقيقتين" أسئلة سياسية وثقافية ستبقى مفتوحة خلال المرحلة المقبلة، مثل: إلى أي حد يشكل هذا المسار تثبيتاً لاهتمام تركي بسوريا عبر واجهة بلدية وخدمية داخل واحدة من أهم المدن السورية؟ وكيف سيترجم عملياً في ملفات السيادة على القرار العمراني والاقتصادي، ومن يراقب شروط "العودة الطوعية" التي توضع هنا في سياق شراكة مع طرف يحمل في الوقت نفسه مصالح داخلية وضغوطًا انتخابية مرتبطة بملف اللاجئين، وما إذا كان ترميم الحجر في حلب القديمة سيواكبه ترميم متوازن للعلاقة بين المجتمعين بعيداً عن أي وصاية أو استثمار سياسي للذاكرة والعمران.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث