في نيويورك، تحوّل فوز زهران ممداني إلى اختبارٍ صريح لقوة المال أمام غضب العمال. فبينما تدفّقت أموال المليارديرات من وول ستريت ووادي السيليكون لمحاولة إيقافه، وجد فيه موظفو تلك الشركات رمزاً لمدينتهم المنهَكة من الاحتكار والغلاء.
هو صراعٌ بين من يكتبون الشيفرات البرمجية، ومن يملكون أسهمها. بدا واضحاً صوت المبرمِج، في مواجهة الملياردير مالك شركات التقنية، منذ انطلاق حملته، إذ قدّم ممداني خطاباً موجهاً مباشرة إلى الموظفين لا إلى أصحاب الشركات.
تحدّث ممداني عن تجميد الإيجارات، والمواصلات المجانية، ورعاية الأطفال الشاملة، وهي قضايا تمسّ يوميات آلاف المهندسين والمصممين والمبرمجين الذين يعيشون في مدينةٍ باتت فيها الشقة المتوسطة حلماً بعيد المنال.
وأظهر تقرير "نيويورك بوست" أن موظفي "غوغل" وحدهم، تبرعوا له بعشرات آلاف الدولارات، تلاهم موظفو "ميتا" و"أمازون". في المقابل، موّلت إدارات هذه الشركات نفسها حملات ضدّه: بيل آكمان، وجو غيبيّا مؤسسAirbnb، ومايكل بلومبرغ أنفقوا ملايين الدولارات لصالح منافس ممداني، أندرو كومو. لكنّ الرسالة من القاعدة كانت أوضح: "نحن لسنا مع المليارديرات الذين نعمل لديهم، بل مع من يفهم واقعنا".
الاشتراكي الذي أقلق وادي السيليكون
أثار صعود ممداني قلقاً حقيقياً في أوساط الشركات التكنولوجية والمالية، ولم يكن ذلك بلا مبرّر. فبرنامجه الانتخابي تضمّن خطة لزيادة الضرائب على أصحاب الدخل العالي بنسبة 2%، ورفع ضريبة الشركات إلى 11.5%، إلى جانب تشريعات تهدف إلى الحد من استغلال نموذج "العمل الحر" الذي تقوم عليه تطبيقات مثل DoorDash وUber.
ثم جاءت الخطوة الأجرأ بتعيينه لينا خان، الرئيسة السابقة للجنة التجارة الفيدرالية (FTC، عضواً في فريقه الانتقالي. خان، التي اشتهرت بمواقفها الصارمة تجاه عمالقة التكنولوجيا مثل "أمازون" و"ميتا" و"غوغل"، تحوّلت سريعاً إلى رمزٍ لتحوّلٍ جذري في العلاقة بين المدينة وقطاعها الرقمي.
وقد وصفت بلوومبيرغ هذا التعيين بأنه بمثابة "إشارة حرب على وادي السيليكون"، فيما رأى محلّلو "رويترز" أن وجود خان في فريق ممداني "ينذر بمرحلة من التنظيم الصارم والتدقيق في الممارسات الاحتكارية للشركات".
الطبقة الوسطى التقنية تبحث عن خلاص
وراء هذا الانقسام الاجتماعي تكمن أزمة أعمق: أزمة الهوية الطبقية داخل التكنولوجيا الأميركية. جيلٌ جديد من العاملين في هذا القطاع بدأ يدرك أنه ليس جزءاً من "النخبة الرقمية"، بل من طبقةٍ وسطى مضغوطة بين أجورٍ شبه ثابتة وتكاليف معيشة متصاعدة.
فقد أظهر تقرير Tech:NYC أن الموظف التقني المبتدئ في نيويورك لا يستطيع تحمّل سوى 2.1% من إيجارات الشقق الصغيرة في المدينة، وهو رقمٌ يختصر مأزق الحياة في العاصمة المالية وأحد أبرز المراكز التكنولوجية في العالم.
في ظل هذا الواقع، لم تُقرأ وعود ممداني بشأن تجميد الإيجارات وتوسيع الخدمات العامة، كخطابٍ أيديولوجي، بل كاستجابةٍ لمشكلاتٍ يومية تمسّ حياة العاملين في القطاع. ولخّص أحد موظفي "ميتا" هذا الشعور بقوله: "نحن لا نخشى أن تُفرض ضرائب على المديرين التنفيذيين، بل أن نُجبر نحن على مغادرة المدينة".
وهكذا، وجد ممداني قاعدته السياسية داخل شركات التكنولوجيا نفسها، لا في مجالس إدارتها، بل بين المبرمجين والمهندسين الذين يكتبون الشيفرات ويكافحون من أجل البقاء في المدينة.
عصر المال السياسي
في المقابل، مثّل فوز ممداني انتكاسة واضحة لمعسكر رأس المال الرقمي، الذي ازدهر نموذجه وتصاعد نفوذه في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
فخلال العام الأخير، أظهرت شخصيات مثل إيلون ماسك وبيل آكمان ومارك أندريسن، انحيازًا متزايدًا إلى سياسات السوق الحر والدعوة إلى "الابتكار بلا قيود"، مع رفضٍ لأي توجهات حكومية نحو زيادة الرقابة أو الضرائب.
هذا التقارب بين السلطة السياسية ورأس المال التكنولوجي، خلق ردّ فعل داخلياً في صفوف العاملين، الذين شعروا بأن مدنهم تُدار كامتدادٍ لمصالح الشركات الكبرى، لا كأماكن للعيش والعمل.
ومن هنا، جاء فوز ممداني كتصويتٍ رمزي ضد "رأسمالية ترامب الثانية"، وبدا صرخة من قلب الطبقة الوسطى التقنية مفادها: نريد مدينة يمكننا العيش فيها، لا مختبرًا لاستثماراتكم.
ثورة هادئة في عالم التكنولوجيا
ما حدث في نيويورك لم يكن مجرد تحوّل محلي، بل إشارة إلى انقسامٍ أوسع داخل وادي السيليكون بين من يملكون التكنولوجيا ومن يعملون بها. فبينما تحاول النخب الرقمية الحفاظ على نفوذها المالي والسياسي، بدأت القاعدة التكنولوجية، من المهندسين والمصممين والعاملين في اقتصاد التطبيقات، تبحث عن تمثيلٍ سياسي يعبّر عن مصالحها اليومية.
يرى محللون أن ممداني، رغم صلاحياته المحدودة كعمدة نيويورك، يمثل بداية تيارٍ جديد في المدن الأميركية الكبرى، حيث يتحوّل القطاع التكنولوجي من أداة لتمكين رأس المال إلى قوة اجتماعية تطالب بالعدالة الاقتصادية.
التكنولوجيا بين طبقتين
في النهاية، لم يكن فوز زهران ممداني مجرد انتصارٍ سياسي، بل إعلان عن تحوّلٍ اجتماعي داخل أكثر القطاعات نفوذًا في العالم. لقد انحازت الطبقة الوسطى والعاملة في قطاع التكنولوجيا إلى مرشحٍ يرى أن الابتكار يجب أن يخدم الناس قبل الأرباح.
وفي المقابل، اصطفّ رأس المال التكنولوجي، من إيلون ماسك إلى نخبة المستثمرين في وادي السيليكون، خلف توجّهٍ يعزّز صعود قادة التكنولوجيا إلى مراكز القرار السياسي وتوسيع نفوذهم في مؤسسات الحكم — وهو النهج ذاته الذي ازدهر في ولاية ترامب الثانية.
بين هذين العالَمين يقف مستقبل التكنولوجيا الأميركية: هل تبقى صناعة تتحكم فيها أقلية من المليارديرات؟ أم تتحول إلى مشروعٍ جماعي يعبّر عن الطبقة التي تشغّلها فعلًا؟ فوز ممداني لم يقدّم الإجابة بعد، لكنه طرح السؤال بوضوح لم يعد ممكنًا تجاهله.
