تحقيق لـ"بي بي سي" يكشف الخيط الأول عن مصير الإمام الصدر

المدن - ميدياالثلاثاء 2025/09/02
موسى الصدر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

نشرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" تحقيقاً موسعاً تناول فيه فريقها الاستقصائي ما يمكن أن يكون الخيط الأول في قضية اختفاء الإمام موسى الصدر، ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والإعلامي عباس بدر الدين في ليبيا في العام 1978، بالاستناد إلى صور وتحاليل متقدمة وشهادات لم تُكشف سابقاً، فضلاً عن روايات صحافيين وموقف رسمي لبناني في الذكرى السابعة والأربعين للجريمة.

 

وفي 30 آب/ أغسطس 2025، أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون التزام الدولة بمتابعة قضية الإمام موسى الصدر قضائياً وسياسياً، معتبراً أن "أفضل تكريم للصدر هو التمسك برسالته لبناء لبنان العادل والموحد"، وفي 31 آب/ أغسطس، شدد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن القضية "أكبر من قضية طائفة؛ إنها قضية وطن لا يموت"، مطالباً السلطات الليبية بإنهاء حالة المراوحة والتعاون الجاد مع القضاء اللبناني. 

 

وعلى الصعيد القضائي، أوضح المحقق العدلي القاضي زاهر حمادة في 10 تموز/ يوليو 2025 أن اتفاقية التعاون القضائي بين لبنان وليبيا ما زالت قائمة، لكنَّ الجانب اللبناني بانتظار تسلم النسخة الرسمية من التحقيق الليبي، بعد أن وعد وفدٌ ليبي بتسليمها خلال زيارته بيروت في خريف العام 2024 من دون تنفيذ ذلك حتى الآن، وهذا ما يبقي الملف معلقاً.

 

وانطلق تحقيق "بي بي سي" من صورة التقطها الصحافي اللبناني-السويدي قاسم حمادة في العام 2011، في مشرحة سرية بالعاصمة الليبية طرابلس، حيث أبلغه أحد المصادر يومها أن الجثة الظاهرة في الصورة ربما تعود للإمام موسى الصدر، الذي شوهد للمرة الأخيرة في 31 آب/ أغسطس 1978 وهو يغادر فندقاً في طرابلس في سيارة رسمية بعد ستة أيام من انتظار لقاء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. 

 

وأُرسلت الصورة لاحقاً إلى "جامعة برادفورد" البريطانية، حيث استخدم فريق علمي بقيادة البروفيسور حسن أوغايل خوارزمية متطورة للتعرف على الوجوه تسمّى "Deep Face Recognition"، لمقارنتها بصور موثقة للإمام في مراحل مختلفة من حياته. النتيجة أعطت نسبة مطابقة في حدود الستينيات من مئة، وهو ما اعتبر "احتمالاً مرتفعاً" بأن الجثة تعود فعلاً للإمام. 

 

غير أن التحقيق أشار إلى أن عينة شعر أُخذت من الجثة في العام 2011 بغرض إجراء فحص "DNA"، اختفت لاحقاً لدى جهات لبنانية معنية بسبب ما قيل إنه "خطأ تقني"، وهذا ما أبقى الحقيقة العلمية غير محسومة.

 

وتضمن تقرير "بي بي سي" شهادات من شخصيات ليبية ولبنانية، من بينها وزير العدل الليبي الأسبق مصطفى عبد الجليل، الذي أكد أن القذافي أمر بقتل الإمام، وأن أوراقاً مزورة أُعدت حينها للإيحاء بأنه غادر إلى روما، في حين بقي محتجزاً وقتل في ليبيا. كما أشار التقرير إلى أن أطرافاً إيرانية متشددة لم تكن مرتاحة لمواقف الإمام الصدر الداعية إلى نهج أكثر اعتدالاً عشية الثورة الإيرانية، مرجحاً أن تلاقي مصالح بين القذافي وهذه الجهات ربما لعب دوراً في الجريمة. 

 

وفي 31 آب/ أغسطس 2025، ألقى رئيس مجلس النواب نبيه بري كلمة تلفزيونية في الذكرى السابعة والأربعين لاختفاء الإمام ورفيقيه، أكد فيها أن تغييبهم جريمة نفذها نظام القذافي، وأن السلطات الليبية الحالية تتحمل مسؤولية استمرار الغموض بسبب عدم تعاونها مع القضاء اللبناني. وقال بري: "مهما طال الزمن، لن ننسى، ولن نساوم، ولن نسامح. هذه القضية أكبر من قضية طائفة؛ إنها قضية وطن، والوطن لا يموت". وشدد بري على أن استمرار المماطلة الليبية يثير الريبة، معتبراً أن تغييب الإمام استهدف دور لبنان ووحدته الوطنية، وأن الموقف اللبناني الرسمي سيبقى ثابتاً حتى كشف الحقيقة كاملة.

 

وكان الصحافي قاسم حمادة، الذي التقط صورة الجثة في العام 2011، كشف في حزيران/ يونيو 2023 أنه تعرض مع ثلاثة من صحافيي "بي بي سي" البريطانيين للاختطاف في آذار/ مارس من العام نفسه أثناء إعداد فيلم وثائقي عن القضية نفسها. ووفق روايته، أوقف الفريق قرب مبنى وزارة الخارجية الليبية، ونُقلوا إلى سجن سري حيث خضعوا لاستجوابات قاسية وتهديدات بالقتل واتهامات بالتجسس، قبل أن يُفرج عنهم بعد خمسة أيام نتيجة ضغوط دبلوماسية بريطانية وسويدية. وقال حمادة إن المحققين وجهوا لهم تهماً متناقضة من العمالة لإسرائيل إلى التخطيط لاغتيالات في ليبيا، معتبراً أن السلطات أرادت منع أي تحقيق مستقل حول القضية خشية انكشاف معلومات حساسة. 

 

وأفرز اختفاء الصدر سيلاً لا ينضب من نظريات المؤامرة. من الناس مَن يعتقد أنه قُتل، في حين يزعم آخرون أنه مازال حياً ومحتجزاً في مكان ما في ليبيا. وبالنسبة إلى أتباعه المتحمسين، فإن اختفاءه يثير القدر نفسه من الغموض الذي أحاط بمقتل الرئيس الأميركي جون كينيدي في العام 1963. 

 

وتتأجج المشاعر لأن الصدر شخصية مبجلة عند أتباعه، سواء لسمعته السياسية بوصفه مدافعاً عن مسلمي لبنان الشيعة المهمّشين آنذاك، أو بوصفه زعيماً دينياً في الإطار الأشمل. وقد منحه أتباعه لقب "إمام"، وهو تكريم غير اعتيادي لرجل دين شيعي وهو على قيد الحياة، وهذا ما أُسبغ عليه عرفاناً لعمله من أجل الطائفة الشيعيّة.  

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث