نحن والبحر: مَن روَّض الآخر ومَن أغواه

بسمة الخطيبالأربعاء 2025/08/20
"غُرف بمحاذاة البحر" للأميركي إدوارد هوبر
"غُرف بمحاذاة البحر" للأميركي إدوارد هوبر
حجم الخط
مشاركة عبر

لستُ متأكّدة إن كنّا، نحن شعوب شرق المتوسّط، أكثر الشعوب خوفاً من البحر. ما أعرفه أنّنا نخاف منه بقدر اتّساعه، وهذا تعبير مجازي للامحدودية، أو هو مجاز المبالغة. ليس خوفنا من الغرق فيه فقط، أو الرحيل إلى ما ورائه، بل الخوف من إغوائه لغرائزنا، تحديداً غريزة التفلّت من قيود السلوك الاجتماعيّة التي أُرسيت بصلابة على البرّ والصخر للتأكّد من مقاومتها لموجات التمرّد والتغيير. "ما بيجي من الغرب شي يسرّ القلب"، علّمنا أجدادنا. والغرب عندهم وعندنا هو البحر. حدودنا مع غرب العالم هي مياه وأمواج، حدود غير آمنة وغير زائلة، ما رسّخ في وعينا الجمعيّ عدم الأمان والهواجس ومن بعدها الصراع على الترويض. 

 

الغدر 

غير الاتّساع، يلتصق بحرنا بالغدر، هذه صفة أخرى تجعله مخيفاً. "البحر غدّار"، جلب على مدى الأزمان الطوفان والطاعون وغيره من الأوبئة، جلب الغزاة والأجانب وعاداتهم الغريبة والخطيرة، جلب البحّارة والقراصنة والرحّالة وكلّ من لا ينتمي لليابسة ولا يعترف بقوانينها. سكنته الكائنات الأسطوريّة الخطيرة والوحوش الغامضة، وعرائس البحر اللواتي يغوين الرجال الأشدّاء، كما أغوين رجالَ يوليس في الأوديسة، وسكن قاعه الجان المغضوب عليهم، مثل جنّي القمقم الذي حكم النبيُّ سليمان عليه بالأسر مدى الزمان في قصصنا الشرقيّة. والبحر أغرق الكثير من أبنائنا، سواء الذين قصدوه استجماماً أو هجرة أو هرباً غير قانونيّ من ويلات البرّ.

 

الرذيلة والتحريم

والبحر أيضاً مرتع الرذيلة. منتجعاته ومسابحه تخفّف عن الجسد ملابسه وقيوده، تبيح اختلاط الجنسين، تحرّض على التعرّي وما يستتبعه من إغواء. تلك الحدود التي ينتهي عندها الجفاف ليبدأ البلل، هي التي تلغي الحدود بين الإنسان وملابسه وقيود سلوكيّاته الاجتماعيّة. فمع رسوخ الدور التجاريّ للساحل المتوسّطيّ الشرقيّ ومدنه مثل بيروت وطرابلس وحيفا وعكّا، ومع نجاح الشراكة التجاريّة مع المدن المتوسّطيّة الغربيّة تحديداً في إيطاليا واليونان وفرنسا، أتت الجاليات الغربيّة تلك بثقافاتها وسلوكيّاتها، والتي تجلّت مع إنشاء النوادي البحريّة العائليّة وما فيها من مسابح إضافة إلى المقاهي والفنادق... الأقلّيات الوافدة التي سكنت مدن الساحل كانت ذات تأثير كبير وخطير لم يخطر حتّى لها، فقد ساهمت في نشوء النزعات القوميّة والوطنيّة المضادّة، وكلّ ما يستتبعها من مقاومة للأخلاقيّات والإيديولوجيّات الطارئة على البلاد. كانت خطيرة ومخيفة كالبحر الذي أتى بها وأتت لأجل مدنه ومرافئه وتجارته. 

 

تخبرنا المصادر التاريخية أنّ تحريم السباحة في البحر لم يكن حكراً على ديانة بعينها، وليست بالتأكيد اختراعاً إسلاميّاً. تشارلز سبروسون، السبّاح والكاتب البريطانيّ، الشهير بكتاباته وأبحاثه التاريخيّة عن عالم السباحة، تحدّث في كتابه عن صراع بين موقف الأخلاق المسيحيّة والأخلاق الكنعانيّة/الفينيقيّة من المياه، مشيراً إلى فتاوى بيزنطيّة ضدّ طقوس المياه الشاميّة، مثل رقصات استعراضيّة لنساء عاريات في برك مكشوفة أمام مشاهدين هاجمهم الكهنة بشدّة واتّهموهم بالغرق في بحر الرذيلة. ويذكر عالم الاجتماع والباحث سليم تماري، في دراسته حول ثقافة البحر وأيديولوجيّته، صدور مرسوم في 25 أيلول 1995 منعت فيه "القيادة الموحّدة للمقاومة" في فلسطين السباحة في غزّة ورفح وخان يونس ودعت إلى الحشمة والتمسّك بأخلاقيات "المقاومة الحزينة" واحترام آلام الشهداء، حاصرةً العلاقة بالبحر بالتمشية المحتشمة.

 

بين حقبة تاريخية وأخرى استمرّت محاولات شعوب منطقتنا لترويض البحر مع تفاوت في نجاحها بين شاطئ وآخر. وفي العقود القليلة الأخيرة، كلما انتشرت صور الشواطئ المكتظّة بالرجال وأطفالهم وإعلانات المسابح الخاصّة بالنساء، يتأكّد أنّ التهويل الذي ارتبط بالبحر ليس بسبب غدره وأعماقه وكائناته المرعبة، بل لإتاحته اختلاط الجنسين ولعلاقته الحميمة بالأجساد البشريّة. فمياهه تحتكّ مع مسام الجسم كلها، وتغمر حتّى العورات التي تحتمي دائماً بالملابس. البحر يسمح للأجساد بالتفلّت من عقالها، يحرّضها، ويغويها للتمتّع والاستجمام والتحرّر من قيود المجتمع، لذا كان صدامه مع المجتمعات الداخلية المحافظة قدَراً، وصار تطوّر هذا الصراع معياراً للتقييم والدراسة والتحليل. 

 

التشافي

العلاقة معقّدة بيننا وبين البحر، فإلى جانب الحذر والكراهية والتحريم، هناك الانبهار والاسترزاق والتطهّر والاستشفاء. اعتقدت شعوب شرق المتوسّط بقدرة البحر السحريّة على تخليصها من اللعنات وشفاء أمراضها، تحديداً ما يتعلّق بالخصوبة. فقد قصدته النساء العاقرات، تحديداً الفلسطينيّات، وهنّ يغنّين في عيد "أربعاء أيوب" قائلات: "لقّح لقّح يا أيوّب" ويرتمين بين الأمواج. وغير أيّوب الذي ابتلاه الله بالقروح والأمراض وشفي منها بالصبر والتعبّد، هناك يونس الذي قذفه الحوت عند أحد الشواطئ فصارت كلّها مكاناً محتملاً لمرسى ذاك النبيّ- أعرف مقامين للنبيّ يونس في لبنان، واحد في الشمال وآخر عند شاطئ الجيّة بين بيروت وصيدا- ربّما هناك أكثر. يقصد العامّة المقامَين للنذور طامعين بالنسل والتخلّص من الأمراض والعنوسة. هذه العلاقة متجذّرة في المعتقد الشعبيّ أكثر من التديّن، إذ ليس في نصوص الديانات السمويّة إشارة إلى شفاعة يونس وأيوب. بل إنّ هذه الديانات كانت حذرة في التعامل مع البحر الذي بنظرها يلهي المؤمن عن التعبّد ويغويه لشؤون دنيويّة وحسّية مشينة. 

 

لا أعرف أصل التقليد الذي مارسته أمّي معنا في بحر المتوسط، حين كانت تنزلنا تحت الماء لتمرّ فوق أجسادنا الصغيرة موجة ثمّ ترفعنا وتكرّر الأمر سبع مرّات. قيل لها ولنا إنّ من تمرّ فوقه سبع موجات يعيش بصحّة جيّدة. استحقّ الأمر العناء، وكنا نشرق بالماء المالحة كلّ مرّة، لكنّ طقس العمادة والتبرّك ذاك كان الوحيد الذي سنشهده أنا وأخوتي، فقد اختفى حين كبرنا كمِلح البحر. 

 

أخافنا البحر وأغوانا فاستسلم قسم له وحاول آخر ترويضه. ولأنّ الاستجمام البحريّ لا يُقاوَم، توصّلنا إلى تأطيره بالحشمة والنزهات العائليّة والمسابح غير المختلطة. استُخدم البحر مسرحاً للمقاومة الحزينة وملعباً للمقاومة السعيدة التي تجد في النزهات الترفيهيّة سبيلاً للبقاء على قيد الأمل والصحّة وصدّ اليأس. تأثّرت علاقتنا بالبحر بالتغيّرات التي أصابت نسيجنا الاجتماعيّ، والتي لعبت دوراً في خوفنا منه وهو خوف من الطاقة التي يبثّها البحر في مرتاديه "الجامحين" نحو التغيير، وأكثر من ذلك هو خوف من آثار الحداثة على السلوك الجمعيّ، وتحديداً سلوك المرأة الذي يُخشى دوماً خروجه عن السيطرة. 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث