مفتاح على مسمار...بداية التّيه

سالي عليالخميس 2025/08/14
"مدينتي في رأسي" للفنانة والقاصّة السورية ديما نشاوي
"مدينتي في رأسي" للفنانة والقاصة السورية ديما نشاوي
حجم الخط
مشاركة عبر

في ركن باهت من محل دلّال عقارات قديم، بجوار نافذة صغيرة يغطيها غبار الشوارع الدمشقية، عُلّق مفتاح بيتنا. لا يميّزه شيء، مجرد قطعة معدنية ببريق باهت، تتدلّى من مسمار صدئ، وإلى جواره عشرات المفاتيح الأخرى. لكنه كان لنا. كتبوا عليه لقب العائلة بقلم ناشف، كما لو أنهم يقدّمون استقالتهم من ملكية البيت، أو يتخلّون عن شبر من الذاكرة.

 

كنت صغيرة حينها، ولم أفهم تمامًا معنى أن "نعرض منزلنا للبيع". بدا لي كأننا نرتكب فعل خيانة، أو نغادر حبيباً كان علينا البقاء معه حتى النهاية. في تلك الليلة، نامت العائلة بهدوء. أما أنا، فظللت أتأمل ذلك الباب الذي أغلقناه ولم نعد نملكه. شعرت أن شيئًا قد انكسر، وأن المفتاح، معلقاً على جدار غريب، علامة رحيل، علامة فراغ مقبل، وربما بداية التيه.

في سوريا، ما عادت المفاتيح تفتح الأبواب فقط، بل الذاكرة، والجروح أيضًا.

 

قبل الحرب، كانت البيوت تُباع بعد تفكير طويل، ومداولات عائلية حذرة، وغالبًا ما تكون الخطوة الأخيرة بعد سنوات من المداولات. لكن في سنوات الحرب، لم يعد القرار اختياريًا. غادرت آلاف العائلات منازلها بلا وداع. البعض حمل المفاتيح، معتقدًا أن العودة قريبة، وآخرون تركوها خلفهم، كما يترك الجندي سلاحه عندما يُجبر على الهرب. اليوم، يعيش ملايين السوريين في منازل ليست لهم، أو في خيام لا أبواب لها أصلًا. في الأحياء القديمة من دمشق وحلب وحمص، هناك منازل لم تعد تُعرف بأسماء أصحابها الأصليين، بل بأسماء من سكنوها لاحقًا. تغيرت الأقفال، وتبدلت الوجوه، وبقيت المفاتيح القديمة في جيوب أصحابها، أو معلّقة على الجدران في غرف الشتات، كأنها شهادات وفاة لهوية لم تُدفن بعد.

 

ما زلت أتذكر صوت الباب في بيتنا. صوت الإغلاق، الطرقة الخفيفة التي تعلن وصول أحدهم، المفاتيح التي ترن عند المساء. كانت أشياء بسيطة، لكنها صارت اليوم فاخرة. في مخيمات اللجوء، الأبواب تُغلق بسحّاب قماشي، والمفاتيح فكرة مضحكة. هل تملك شيئًا لتقفل عليه؟ كيف تحرس الذاكرة إن لم يعد لك جدار؟

سوريا بلد المفاتيح المعلّقة. بعضها في محلات الدلّالين، وبعضها في جيوب عجائز ينتظرون المُعجزة، وبعضها في الحكايات التي يرويها المغتربون لأبنائهم: "هنا كان بيتنا، وكان لنا مفتاح".

لكن هل تكفي المفاتيح وحدها لنقول إن المكان ما زال لنا؟ كثيرون، وأنا منهم، نملك مفاتيح لا تفتح شيئًا. نحملها معنا لأننا نخشى أن ننسى أماكننا. المفتاح صار رابطًا شعوريًا، مثل صورة قديمة، مثل رائحة طعام، مثل التراب العالق بأحذيتنا حين غادرنا مرةً أخيرة.

هل ما زال مفتاحنا هناك، على ذلك المسمار في محلّ الدلّال؟ هل مرّ أحدٌ به؟ هل تأمله شخص ما وسأل: لمَن هذا المفتاح؟

أم أن الزمن قرر أن يطويه، كما طوى كل ما خلّفناه وراءنا من صور وأثاث وأحاديث قصيرة على شرفات البيوت؟

أخشى أن يكون الانتماء كله أصبح عالقًا بين مسمار وذاكرة. أن نتحول من سكان، إلى "كنّا هناك". من أصحاب البيت إلى حاملي مفاتيحه.

 

ربما، في يوم ما، ستمطر داخلي مفاتيح. تعود بغير صوت، على يد غريب قرأ اسم عائلتنا وقرر أن يُعيده إلينا.

أو ربما، سأعثر عليه صدفة، تحت دعسة الباب القديم، تمامًا حيث كنا نتركه أيام زمان، حين كانت البيوت لنا، وكان الليل آمنًا، والمفتاح مجرد مفتاح.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث