جمهور "حزب الله" ينكر مفاعيل قرار الحكومة.. ويتجاهل هزيمته

راغب مليالخميس 2025/08/07
لن نترك السلاح
عبارة "لن نترك السلاح" مكتوبة على حطام مسجد في بلدة راميا بجنوب لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تخفي النقاشات اللبنانية حول قرار الحكومة القاضي بوضع جدول زمني لسحب سلاح "حزب الله"، وقائع سياسية لا لُبس فيها، تتمثل في هزيمة فريق، وانتصار فريق آخر، لأوّل مرة منذ عقود. يعيش لبنان تحوّلاً سياسياً جوهرياً، عنوانه أن "حزب الله"، وباقي فصائل المقاومة، لم يعد جزءاً من المعادلة الوطنية المحمية سياسياً، والمشرعة قانونياً.

ويتجاهل المنقسمون بين جمهور "حزب الله" وخصومه، وتحديداً في "القوات اللبنانية"، باعتبار ما أقرته الحكومة، هو لحظةٌ مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، تمثّل اختراقاً كبيراً في جدار التسويات التاريخية التي لطالما حفظت لـ"حزب الله"، وباقي فصائل المقاومة، استثناءً فريداً داخل النظام. 

هذا الاستثناء، الذي تكرس بعد اتفاق الطائف بالبيانات الوزارية المتعاقبة، وترسّخ خلال وصاية النظام السوري، وتعمّق بفعل النفوذ الإيراني، وجد نفسه الآن خارج إطار الشرعية، ومجرّداً من الغطاء السياسي الداخلي الذي طالما وفّر له الحماية.

 

رد فعل حزب الله وجمهوره

اللافت في مشهد التفاعلات، هو الطريقة التي قارب بها جمهور "حزب الله" هذا القرار، رغم أن إعلام الحزب، وفي مقدماته الإخبارية، أثبت وقع القرار على الساحة المحلية. فقد سادت حالة من الاستخفاف الشديد لدى معظم مناصري الحزب، وبرزت موجة من السخرية والتهكّم، وكأنّ ما صدر لا يعنيهم ولا يمسّهم. تعليقات مثل "من سيجرؤ؟" و"السلاح باقٍ" اجتاحت المنصات الاجتماعية، وكشفت عن خطاب إنكاري يُعبّر إما عن محاولة لامتصاص الصدمة، أو عن عدم إدراك حقيقي لماهية القرار ومعانيه ودلالاته.

تعامل ناشطون مقرّبون من الحزب مع القرار وكأنه غير قابل للتطبيق، وربما نظروا إليه أو اعتبروه مشابهاً للقرارات الدولية السابقة التي دعت إلى نزع السلاح، ولم يتم تطبيقها. ما لم يُفهم بوضوح، هو أن الدولة اللبنانية، هذه المرّة، باتت تُصنّف هذا السلاح على أنه غير شرعي، وأن التعامل معه مستقبلاً لن يكون كما في السابق. أي أن أيّ عمل عسكري يقوم به الحزب قد يُقابل الآن بموقف رسمي مختلف، مع إجراءات قضائية وأمنية، شبيه بما حصل مع المجموعات التي أطلقت صواريخ باتجاه شمال الاراضي المحتلة خلال السنوات الماضية.

 

قراءات ما بعد القرار

من بين القراءات التي ظهرت، رأي يعتبر أن هذا القرار هو النتيجة السياسية للحرب الأخيرة التي تعرّض لها حزب الله، وللاتفاق الذي تلاها وكرّس وقف إطلاق النار. وفق هذا الرأي، فإن ما جرى في مجلس الوزراء هو ترجمة لاحقة لمسار بدأ مع نهاية الحرب، ويعبّر عن تحوّل سياسي فرضته الوقائع الميدانية.

ويستند هذا الرأي إلى مبدأ أن الحروب تُقاس بنتائجها السياسية، وينظر الى أن هذا القرار هو أبرز تعبير سياسي عن مسار ما بعد الحرب، وهو من المؤشرات التي ظهرت لاحقاً كنتيجة مباشرة لذلك الاتفاق وتداعياته.

قراءات أخرى ذهبت إلى اعتبار أن القرار يشكّل نهاية لحالة الاستثناء التي كان يحظى بها سلاح حزب الله في النظام السياسي اللبناني منذ ما بعد الطائف. القرار، كما طُرح في هذه المقاربات، نزع صفة الشرعية السياسية عن السلاح، وأخرجه من دائرة التسويات التقليدية التي كانت قائمة، والتي كانت تبرّر وجود السلاح تحت عنوان "المقاومة".

كما اعتبر هذا المسار أن القرار يمثّل لحظة خروج لبنان من الوصاية السورية–الإيرانية، في إشارة إلى حقبة النظام السوري المخلوع (نظام الأسد) والدور الإيراني اللاحق، اللذين شكّلا معاً مظلة سياسية وأمنية لهذا السلاح لعقود.

 

الاستثناء الذهبي

النقطة الأساس في كل ما جرى، أن القرار الحكومي جاء ليُنهي ما يمكن تسميته بـ"الاستثناء الذهبي" لسلاح "حزب الله". هذا السلاح، الذي لطالما جرى التفاهم عليه كعنصر ثابت في معادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، بات اليوم موضع رفض رسمي ويُصنّف على أنه غير شرعي، ولم يعد وجوده يُعبّر عن وفاق وطني أو عن جزء من معادلة سياسية جامعة.

لقد انتقل من كونه "استثناءً مشروعاً" إلى "سلاح خارج عن شرعية الدولة"، وهذا بحد ذاته تحوّل عميق في مسار الدولة اللبنانية منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم.

 

احتفال الخصوم وتفاوت التقديرات

في المقابل، استقبل خصوم الحزب القرار بروح احتفالية، واعتبروه انتصاراً سياسياً طال انتظاره، ونهاية لما اعتبروه واقعاً مفروضاً بقوة السلاح. فقد أعاد القرار إليهم شعوراً بالنصر، واعتبروا أن معادلة السلاح قد انتهت، وأن ما بعد 5 آب ليس كما قبله.

لكن في الوقت نفسه، صدرت تقديرات متسرعة تتوقّع تحركاً سريعاً من الجيش أو تفكيكاً فورياً لمنظومة الحزب العسكرية، وهو ما لا ينسجم مع تعقيدات الواقع اللبناني، ولا مع توازنات الداخل والخارج.

 

مفترق تاريخي

مع كل ذلك، لا شك أن لبنان بات أمام مفترق تاريخي جديد. فالبلاد أمام بداية مرحلة سياسية مختلفة، تتسم بالضبابية والآمال والمخاوف، كل من موقعه وتموضعه السياسي، فيما يواصل مجلس الوزراء مناقشة ورقة الموفد الاميركي توماس براك، لاستكمال اقرارها. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث