عرفت بلادنا الجوع على مدى تاريخها. هذه البقعة التي عُرفت ذات زمن بالشرق الأدنى، تدنو دائماً من القحط وتعود منه قبل الرمق الأخير. بين أسمائها القديمة أيضاً "أرض كنعان" و"فينيقيا" وأسماء أخرى بدّلها المستعمرون والمستوطنون تباعاً. لكن وفرة الأسماء والمستعمرين لم تُجدِها نفعاً. نسبةً لجيرانها، الفراعنة والأشوريين، لم تكن خصوبة تربتها تُحستب. نعم كانت مليئة بالغابات، وكانت غاباتها ثروتها، وأشجارها القيّمة سواء الصنوبر أو الأرز أو التنوب أو السنديان، مطمع الغزاة... لكنها حين أرادت مواجهة موجات القحط المترافقة مع الجراد والطواعين، اتجهت لطلب العون من جيرانها ومن أرض الكنانة بالتحديد.
في مواجهة القحط والجوع لم تمتلك أرضنا الكثير من الحلول. أرسل يعقوب أبناءه الرعاة، لجلب القمح من مصر، فعادوا له بأكثر من القمح، عادوا إليه ببصره وقميص ابنه يوسف الذي تنبّأ بقدوم القحط واستعدّ له في أرض الكنانة، حيث أرض خصبة تفضّل الزراعة على الرعي، على عكس الأرض التي أتى منها أو لفظته وظلمته.
ورغم أنهارها وجداولها، افتقرت أرض كنعان للنهر المناسب، كالنيل والفرات، ولم يملك أبناؤها ميلاً إلى استصلاح الأراضي، مفضّلين الرعي والترحال. حتّى الديانات السماوية التي ولدت هنا، وضعت الرعي مقابل الزراعة. طلب الله من ابنَي آدم التقدّم بقربان، وكان قابيل صاحب زرع وهابيل صاحب ضرع، فتقرّب الأوّل بشيء من ثماره، وتقرّب الثاني بشيء من أبكار غنمه، فتقبّل الله من الراعي ولم يتقبّل من المزارع، وهو ما أدّى إلى الجريمة العظمى في القصص السمويّة. قتل الأخ أخاه غيرةً ونقمة. لا تذكر الكتب السموية أن العلّة في القرابين، إلا أنّ غالبية النباتات المقدّسة فيها هي بعليّة، تنمو وتطرح برعاية السماء فقط، كالزيتون والتين والنخيل والسدر، لا تحتاج جهداً كبيراً من البشر. أمّا الأضاحي التي يتقبّلها الله، فهي دائماً المواشي من أكباش وشياه وماعز وحتى أبقار، كما حال البقرة التي أُمِر قوم موسى بذبحها.
يجب أن تسيل دماء المواشي لتفتدي دماء البشر، وتسترضي الربّ، وتستجلب بركته. أرضنا تعشق الدماء. أمّا المزروعات والحبوب، فليس لها المقام نفسه... حتّى ظهرت المسيحيّة وتغيّر الكثير. كان المسيح عيسى بن مريم يتناول مع تلامذته عشاء عيد الفصح اليهودي في ذكرى خروجهم من مصر، وعلى مائدته الأخيرة لحم ضأن وخبز غير مختمر ونبيذ، بعد صيام طويل. في ذاك العشاء أرسى القربان المقدّس. جعل من الخبز جسداً له. لاحقاً سينتشر "الخبز الكنسيّ" وتتطوّر قدسيته وحتى وصفات تحضيره المختلفة بين الكنائس.
قبل المسيحيّة كان للخبز والقمح دورهما في السياسة والأمور الدنيويّة، فقد حرصت إدارات الحكم الداخلية على توفير الخبز للمواطنين والجنود لكسب تأييدهم، وغزت الأراضي لاستصلاحها وتأمين الحبوب وتحديداً القمح، أو غزت البلاد الغنية بالقمح والحبوب عموماً. ولأننا وقعنا على طريق القمح، الآتي من مصر، كانت الحروب قدرنا. لأجل أن يأكل غيرنا الخبز، وترسي الامبراطوريات حكمها، كابدنا.
يندر أن تعرف بقعة جغرافية حروباً وصراعات متواصلة كبقعتنا هذه. الدماء والقرابين بقيت قدراً، كذلك القحط والجوع. الاستعانة بجيراننا مصدّري الحبوب والقمح، كما فعل أبناء يعقوب، بقيت الحلّ الأنجع، لكنّ أسلافنا لم يعدموا طرق تخزين الحبوب بعد تجفيفها، ولعلّ البرغل أبرز طرق تخزين القمح في غرف المؤونة لتفادي المجاعة، إضافة إلى أمور أقلّ حيلة مثل أكل لحاء الشجر والنباتات البرّية البعليّة...
مرة جديدة تجتاح المجاعة بقعة في بلاد كنعان. لا سبيل لإرسال بعثة من أهلها إلى أرض الكنانة، لم تبق غرفة مؤونة واحدة، لقد مرت عبر هذه البقعة ومينائها القديم، بواخر وقوافل محمّلة بالقمح من مصر إلى ممالك العالم. الامبراطوريّة الرومانيّة بالتحديد استولت على مصر لأجل حبوبها. لا منافذ ليدخل منها الطحين، سواء كان دقيق القمح أو الذرة أو الشعير الذي اعتبر أدنى من غيره بسبب صعوبة اختماره. لا الطحين الأبيض الذي بقي طويلاً حكراً على النبلاء والأغنياء، ولا الدقيق الأسمر (الكامل) الذي تُرك للفقراء، ولا بسكويت ماري أنطوانيت، ولا الخبز متصدّر الثالوث الشهير "عيش - حرّية - عدالة اجتماعيّة" الذي اشتهر في زمن الربيع العربي وهتافاته.
تحتفل أسرة تحت خيمة بالحصول على كيس طحين. تدخل الضحكات مع الطحين في مرة نادرة إلى الخيمة وقلوب بضعة أطفال. سيأكلون الخبز. لا نعرف كيف سيوقدون النار ليخبزوا العجين، وأي ماء سيستخدمون. ربما سيصنعون وقيداً حجرياً كما فعل أسلافهم الأوائل، والأرجح ألا يستعملوا أي خميرة، سيأكلون الخبز قاسياً غير مختمر. لكنّهم سيأكلون الخبز، الكفاف اليومي، الطعام الأبسط والأفقر الذي لم يعد لهم كفافاً ولا بسيطاً ولا رخيصاً، بل صار أغلى من حياتهم، وكثيرون منهم يموتون يومياً في سبيله. لكن الضمير العالمي لم يعلنها مجاعة، لأنّ عدداً أكبر من الجوعى يجب أن يموت، ما يقارب خمسة في المئة من السكّان يوميّاً، لكنّ أحداً لا يستطيع إحصاء عدد السكّان هناك. وهذا ليس السبب الوحيد لعدم إعلان وقوع مجاعة. إنّ أحداً لا يريد أن يحصي. هذه أرقام يجب أن تبقى مجهولة، مشكوكاً في صحتها كالأسطورة، بعيدة من العقل والتصديق.
في الحروب تتكرَر الفظاعات نفسها، الحصار والتجويع بينها. وحين يشعر العدو بالملل، يحرّك بيدق الخبز. يجوّع ويعطّش. هذه الخطّة لا تهدّد الملك مباشرة، لكنّها تعني خسارة كلّ ما لديه ودفعه للاستسلام. نجحت الخطّة يوم حصار بيروت العام 1982، استسلم ياسر عرفات وخرج ورجاله من بيروت عبر البحر، وقال إنه يفعل هذا لأجل سلامة أطفال بيروت وعدم تجويعهم. صحيح أنّ أطفالاً كثيرين ذُبحوا بعد الاتفاقية الغادرة، وذلك لأنّ الغدر دِين عدوّنا، ولأنّنا لطالما متنا لأجل الخبز، وقدّمنا الدماء قرباناً لآلهة لا ترتوي.




