!أحدث فضيحة في لبنان: جيناتنا تختلف عن بيولوجيا السوريين

راغب مليالأربعاء 2025/07/30
1 (2).jpg
اتصلوا ببشار دولة من الجامعة اللبنانية قبل أن يعتذروا بذريعة أن جبنات اللبنانيين مختلفة عن السوريين (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثارت تجربة شخصية عاشها الصحافي والمخرج الوثائقي السوري بشار دولة، تساؤلات حول كيفية التعامل مع البيانات الطبية في لبنان. فقد تلقى اتصالاً من مختبر تابع للجامعة اللبنانية يعرض عليه المشاركة في دراسة علمية حول مرض حمّى البحر الأبيض المتوسط العائلية  (FMF)، الذي يعاني منه منذ سنوات، قبل أن يتم الاعتذار منه لاحقاً بحجة أن "الجينات تختلف" لدى السوريين. 

هذه الواقعة أعادت طرح أسئلة حول مدى قانونية تداول المعلومات الصحية من دون موافقة مسبقة، وحدود استخدامها في الأبحاث العلمية.
 

تجربة شخصية تكشف ثغرات

وروى بشار دولة تفاصيل ما جرى معه في منشور كتبه في فايسبوك، وجاء فيه:
"اتصلوا بي من الجامعة اللبنانية، وقالوا إنهم حصلوا على بياناتي من أحد المختبرات، وإنهم يعرفون أنني مصاب بمرض حمّى البحر الأبيض المتوسط. أوضحوا أنهم يجرون دراسة حول هذا المرض، وعرضوا عليّ إجراء جميع التحاليل والفحوصات مجاناً مقابل أن أخصّص لهم ساعة واحدة من وقتي. أجبتهم بأنني بالتأكيد جاهز، لكن ما إن سمعت الموظفة لهجتي السورية حتى قالت معتذرة: نعتذر يا أستاذ، السوريون لا يمكنهم المشاركة، لأن الجينات تختلف."
وفي حديثه مع "المدن"، أوضح دولة أنه لا يتذكر ما إذا كان قد وقّع على أي تفويض رسمي يسمح بمشاركة بياناته الطبية مع جهة بحثية. وأضاف أن الفحص أُجري قبل سنوات في أحد المختبرات في الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن يتلقى هذا الاتصال المفاجئ بعد فترة طويلة.
 

هل كان هناك بُعد عنصري؟

عبر ما كتبه بشار دولة على حسابه، بدا كأنه اعتبر أن استبعاده من المشاركة في الدراسة مرتبط بسلوك موظفة المختبر، التي اعتذرت منه بعدما لاحظت لهجته السورية، في إشارة فهمها على أنها تعكس تمييزاً ضده كونه غير لبناني.
 

التفسير العلمي
لتوضيح هذه النقطة، تواصلت "المدن" مع الدكتورة حنان المصري زعيتر، اختصاصية طب الأطفال والطب المجتمعي، التي قالت: "الجينات تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، بل ومن عائلة إلى عائلة. وفي بعض الأحيان، تؤدي الطفرات الجينية إلى أمراض وراثية، أو ما يُعرف بالأمراض الاستقلابية والتشوهات الكروموزومية، مما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض وراثية معينة. هذه التغييرات الجينية قد تكون واسعة الانتشار في بعض المناطق أكثر من غيرها."
وأضافت: "بالنسبة لمرض الحمّى البحر الأبيض المتوسط العائلية (FMF)، ففي لبنان انتشار واسع له، وخصوصاً في مناطق الجنوب، مثل بنت جبيل وعيترون وبعض القرى المجاورة. حتى لو لم يعد أبناء هذه العائلات يعيشون هناك، فهم يحملون الطفرة الجينية وينقلونها من جيل إلى جيل." وأشارت إلى أن المرض موجود أيضاً في تركيا وفلسطين وبعض المجتمعات اليهودية، في حين هو نادر نسبياً في سوريا.

وتضيف: "من خبرتي مع المرضى، لا نرى الكثير من حالات FMF عند السوريين، فهي نادرة نسبياً لديهم. في المقابل، يعانون أمراضاً أخرى مثل اللشمانيا بشكل واسع، وكذلك التهابات الجهاز العصبي، كالتهابات السحايا، بسبب نقص بعض العوامل المناعية (Complement) ."
 

أسئلة الخصوصية والرقابة

وبمعزل عن الملف الطبي، أعادت الحادثة طرح أسئلة جوهرية تتعلق بحماية البيانات الطبية في لبنان. فحتى الآن، لا مؤشرات واضحة على وجود رقابة صارمة على تداول المعلومات الصحية، كما لا يعلم المرضى غالباً ما إذا كانت بياناتهم قد تُستخدم في أبحاث أو دراسات علمية بعد سنوات من جمعها.

 

قانون ضعيف ورقابة غائبة

في حديثه لـ"المدن"، يقول مدير الإعلام ومشروع حوكمة الإنترنت في "سمكس"، عبد الغني قطايا: "رغم أن القانون رقم 81/2018، المعروف بقانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، يُفترض أن يكون إطاراً لحماية البيانات الحساسة مثل البيانات الصحية، إلا أنه لا يوفّر فعلياً أية حماية حقيقية للمواطنين، بل هو مليء بالثغرات التي تفرغه من مضمونه". 

ويشرح قطايا:"أولًا، لا هيئة مستقلة لحماية البيانات كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي مع نظام  GDPR، بل الرقابة موضوعة في أيدي الوزارات، مما يفتح الباب أمام تضارب المصالح ويجعل الرقابة شكلية. 

ثانياً، القانون حمّل المريض نفسه عبء حماية بياناته، إذ إن العلاقة التعاقدية بينه وبين المختبر أو الجهة الطبية هي الأساس، وهذا ما يعني أن المريض هو من يتحمّل عبء إثبات سوء استخدام بياناته وليس الجهة التي جمعتها". 


ويضيف قطايا: "القانون نصّ على تشكيل لجنة لحماية البيانات، لكنها لم تُشكَّل حتى الآن، وحتى لو شُكّلت فهي ستتبع لوزارة الاقتصاد، وهو أمر غير منطقي، فالوزارة ليست جهة متخصصة بهذا المجال، ولا تضم خبراء وتقنيين قادرين على ممارسة رقابة فعلية. وحتى لو قرر المريض رفع دعوى قضائية، فالإجراءات بطيئة ومعقدة ولا آلية تنفيذية واضحة تجبر المختبرات أو المستشفيات على الالتزام الصارم بسرية البيانات". 
 

تعيد هذه الواقعة التذكير بالتوازن الدقيق المطلوب بين متطلبات البحث العلمي وحقوق المرضى في حماية بياناتهم الطبية. فالتقدم في دراسة الأمراض الوراثية يعتمد بطبيعته على تحليل عينات جينية محددة، غير أن هذا لا يلغي الحاجة إلى إطار قانوني وأخلاقي صارم يضمن أن يكون الوصول إلى تلك البيانات قائماً على موافقة واضحة وشفافة. فالعلم لا يكتسب قيمته فقط من نتائجه، بل أيضاً من احترامه للمعايير التي تصون كرامة الأفراد وحقهم في التحكم بمعلوماتهم الصحية.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث