قد يبدو الأمر مبالغة مجازية، أو طيشاً صبيانياً، كم يحدث مع طفلٍ خسر المباراة فحمل كرته وعاد بها يكرّر: "بَطَّلت إلعب". إلا أنه واقع أليم بعدما عجز النصر عن ترميم الجراح، بل راح ينكأها ويمثّل بها.
ماذا لو سمّينا الأشياء بأسمائها؟ نخرج للعلن من وراء إصبعنا الذي استترنا خلفه طيلة الشهور الثماني المنصرمة. فمنذ انتصرت الثورة - في حال صدقنا أن لهذا الشرق ثورة ونصراً- ونحن نخجل من النطق بأمور وجدناها في قاموسنا اليوم كسلسة لازمتنا مُكرهين، لنستدل إلى الكلام عنها من دون الحاجة إلى تورية مُنهِكة، فلا مجال للإنهاك الفائض اليوم! فترانا نسمي الطوائف التي لم نُشِر إليها سابقاً إلا لذِكر الأعياد والعطلات حين يسأل أولادنا على سبيل المثال: شو يعني عيد الفصح؟ شو يعني نوروز؟
انتصرت اليوم إرادة الشعب، كل الشعب، بكل مكوناته، في إسقاط نظام لا يختلف اثنان على أنه فاشي مجرم يحمل أقذر توصيفات العصور، وأن كل من أحزنه السقوط هو أقلية منتمية إلى "طائفة" المنفعة والإجرام التي لا تنتمي إلى الطوائف. انتهينا من هذه النقطة بالتوافق. حسناً ماذا بعد؟ التالي كان قاسياً، خفتت شموع النصر وبردت ألعابه النارية، تاركةً سماء البلاد غارقة في ظلمتها، كل طرف يشدّ صورتها نحو الأمل والخوف من الآتي. إلا أن المقبل لينا ليس بالوضوح الذي تمنينا. وهنا لا أناقش وضع الحكومة ولا نواياها ولا عملها. هو الشعب ذاته الذي كان ينقسم عند كل تشييع، بين لاعن "خنزيرٍ نفَق" وممجد لشهيدٍ "ارتقى"، ما زال منقسماً، فيما صاحب النعش مسجّل في خانة سورية! يبدو أن قدر هذا الشعب هو التيه في السبع العجاف بقية العمر، وقدر الأمهات الخسائر.
"إلا من رحم ربي"
نعم الرجاء في الأفضل لا ينقطع. إلا أني لا أعني الازدهار العمراني والبحبوحة وتحسّن سبل العيش. المخيف هو نفوس العامة التي لوثتها الحرب بفحم الكراهية، مهما غسلها الماء والثلج والبَرَد، يبقى أثر السواد يومئ إلى النوايا التي يرى كُثر بأنها مبرّرة. إجرام استمرّ لعقود، من الطبيعي أن يترك ندوباً تدل عليه أبداً. الطائفة التي انتمى إليها الأسد هي دريئة مشاعر سلبية أقلّها الكراهية وأخطرها المطالبة بالإبادة. واليوم طائفة جبل العرب تنال قسطها من الحقد. كنت أتمنى لو لم أكن سورية تصارح العامة بما لمَسَت! لكنه الواقع المزري أضعه تحت مجهر المختبر، لأفهمه أنا قبل غيري، ولا سبيل إلى الفهم.
نهجم على مكوّن تلو الآخر بالتخوين، فشيمة الغدر تلازمـ"هم". نستدل عليها من كلام جدّات وجيران سابقين، ومن أصدقاء السكن الجامعي المشترك. ولا نقاش في التعميم... فهم "كلهم" خونة أشرار! في حين تقذف الأقليات المكوّن الأكثريّ بالإرهاب والتطرف. والشتائم المقولبة يتراشقها الجمع ككرات ثلج، فتمنح السعادة والرضا! خُذ هذه من صبايا العطاء، ليردها الآخر من صاحبات جهاد النكاح... تكبر كرة الثلج وتجرفنا جميعاً نحو هاوية الوادي لنغرق في دم بريء وحرائق أكلت أخضر البلاد ويابسها.
أسأل الجميع بتهكم:"كلهم؟!" مستذكرة هتاف الأشقاء في لبنان: "كلن يعني كلن". ليأتي الردّ المقولب: "إلا من رحم ربي". ويبدو أن الله لم يرحم أحداً في هذه البلاد الملعونة!
هل قرأتم كتبهم؟
كمن يجذف بمجذافٍ مكسور، تحاول القلّة أن تصل بالقارب إلى ضفة الخطاب الجامع بلا جدوى. فالمثقف المتنور يرمي العراقيل في الدرب على الدوام. في حين يتصدّى الخطاب الشعبوي للتصنيف: فالقلّة إما خانت الثورة، أو أن مسّاً شيطانياً نال من وطنيتها لا محالة... نحن من خرجنا عن الملّة، فنُثرت الآيات في دروبنا علّنا نستقيم ونتّعظ... أنت مسكين/ة لا تعرف/ين عقيدتهم التي تكرهنا، هل قرأتم كتبهم؟ هل تعلمون بنواياهم الباطنية ضدنا نحن أصحاب السراط؟ بربك هل أنت مقتنعة بأنهم ليسوا إرهابيين يسموننا كفرة! أصمت كل مرّة وكلمات هانس كونج، عالم اللاهوت السويسري، تطنّ في أذني: "لا سلام في العالم، بغير سلام بين الأديان".
نحن حزب المستفزين، إذا ما نادينا بالتعقل والكفّ عن الخطاب المحرّض، صرنا مستهترين بدم الشهداء، بل ونتسامح في المحاسبة، في حين أننا المطالبون منذ اليوم الأول بمُحكمات مجرمي المجازر من زمن النظام البائد، نحن مَن يتصدّر اليوم مشهد السلم الأهلي، إلا أن من امتهن التطبيل يدعونا للتروي الذي كنا نناجي به، فهل نعلم مصلحة البلاد أكثر من حكومتها؟! ويبقى السؤال: هل قدر هذه البلاد إما أن تبقى تحت البسطار العسكري، أو أن تجتاح تسونامي الكراهية بيوتها الآمنة؟! إذاً، لماذا ثرنا على الاستبداد ونحن نعلم بأن الديكتاتور راحل والشعب بمكوناته باقٍ؟ لماذا نحن عاجزون اليوم عن تقبّل بعضنا البعض كشعب، وليس كمكوّنات الضيوف نأسرها بقوانيننا نحن أصحاب البيت!
بين قضية وشائعة
لم يعد خافياً على أحد بأن ما يعيشه الشعب السوري اليوم هو أزمة ثقة. بعد التهليل للنصر ورسم الأماني بدولة مدنية، بل وقد جمح البعض إلى العلمانية التي وجدها البعض الآخر كفراً وزندقة... يسير المركب في وحل التشكيك، خصوصاً بعد حالة "اللاعدل" التي تمضي بها مرحلة العدالة الانتقالية. فظهر تقرير "رويترز" عن العلويات المخطوفات قبل إعلان نتائج لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل. هناك من يغمز بأنه لن يظهر كاملاً، وإن ظهر بشفافية فسيكون اتخاذ الإجراءات الشجاعة محرجاً للحكومة. وآخر يرى بأنه كرسي ثُبّت على دم، كما كل الكراسي في هذا الشرق المنحوس. أيضاً تكهنات تضرب عرض الحائط وتعود بشظاياها فتعمّق الشرخ بين مؤيد ومعارض. متنكّر لتلك المجازر يسميها أخطاء فردية، يبرّرها بالاحتقان الشعبي صاحب المظلومية ووليّ الدم، في حين أنها تصفية على أساس طائفي لا تقلّ إجراماً عما اقترفه شبيحة الأسد. تضيع التسميات في دوامة المنطق من جديد، فيما تغيب الأرقام ولوائح المفقودات بين حقيقة ووهم، بين قضية وشائعة.
ما الحلّ اليوم؟ هل فات الأوان؟ الأمل يدفعنا من خلف ظهورنا. كانت هذه البلاد منذ الأزل، وستبقى، متنوعة تحمل من الثراء المناطقي والطائفي ما يخوّلها جمع المجد من كل أطرافه لتضفره جديلة على جبين الشمس. تحتاج قليلاً من الحب، وقليلاً من الثقة، والكثير من الصبر، لتنمو كأي فسيلة غُرست في صحراء قاحلة، لكن أصالتها تمنعها من تخييب الرجاء. قد يبدو كلاماً إنشائياً يُراد به ختام مقالة فحسب. لكن مَن عاشر السوريين يعلم بأنهم كشجرة صبّير، ترضى بالقليل لتُزهر فاتنةً العيون بالوانها الصعبة.
