تعرضت الصحافية والمعتقلة السياسية السابقة زينة شهلا لاعتداء علني مساء الجمعة أمام مقر مجلس الشعب في العاصمة السورية دمشق، أثناء مشاركتها في وقفة صامتة حملت شعار "دم السوري على السوري حرام".
وقالت شهلا في "فايسبوك" أن مجموعة من الشبان المسلحين بالعصي هاجموا المشاركين في الوقفة، ووجهوا لهم الشتائم والاتهامات بـ"الخيانة والعمالة"، قبل أن يلاحقوا بعضهم ويعتدوا عليهم بالضرب، فيما انتشرت صور ومقاطع فيديو لحادثة الاعتداء المروعة التي تعيد التذكير بحقبة نظام الأسد الذي واجه الثورة السورية السلمية العام 2011 بالطريقة نفسها.
وأوضحت شهلا، التي تشغل حالياً منصب مستشارة في لجنة المفقودين التابعة لرئاسة الجمهورية، أنها تعرضت شخصياً للضرب بعصا على يدها، قبل أن يقوم أحد المعتدين بصفعها على وجهها، مردداً شتائم تتعلق بشرفها، وقام المعتدي ذاته بتوثيق الحادثة ونشرها في وسائل التواصل، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها "تحريض علني وانتهاك لكرامة النساء في المجال العام".
وعلقت شهلا: "بتمنى هي الحادثة ما تمر مرور الكرام... هاد العنف المنفلت اليوم بطرقاتنا مانه حل... نحنا بحاجة لقوانين واضحة رادعة لهاد الخطاب، وبحاجة نرجع نحس بالأمان ببلدنا، والأهم بحاجة لحوار شامل... وبحاجة أهم شي للعدالة، العدالة لكل السوريين".
وشهلا هي صحافية سورية، وناشطة مدنية وحقوقية بارزة، وواحدة من الأصوات النسائية القليلة التي واصلت العمل من داخل سوريا خلال سنوات الحرب، محافظة على خطاب إنساني نقدي يعكس معاناة الناس اليومية، ويركّز على قضايا التغير المناخي، التراث الثقافي، والانتهاكات الحقوقية. درست الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق، قبل أن تنتقل لاحقاً لدراسة الإعلام والاتصال.
ونشرت شهلا عشرات المقالات والتقارير في منصات عربية ودولية وكانت عضواً في زمالات صحافية دولية عديدة. وفي العام 2023، أطلقت مشروعها المستقل "تراث مسموع"، وهو أول بودكاست سوري يهتم بالتراث الثقافي غير المادي، ويهدف إلى توثيق ممارسات ثقافية وتقاليد مهددة بالاندثار بسبب الحرب والتغيرات المجتمعية ونال اهتماماً دولياً، خصوصاً أنه يقدّم رؤية بديلة لسوريا لا تقتصر على العنف أو النزاع المسلح، بل تحاول الحفاظ على الذاكرة الشعبية والهوية الثقافية.
أما سياسياً، فقد دفعت زينة ثمناً باهظاً لتمسكها بالموقف النقدي، إذ اعتقلت مرتين من قبل أجهزة الأمن السورية، ثم أفرج عنها لتتابع نشاطها الحقوقي من داخل البلاد، في بيئة معقدة وخطرة. وبعد سقوط نظام الأسد، اختيرت مستشارة في لجنة المفقودين التابعة لرئاسة الجمهورية، وهي لجنة تحمل طابعاً استشارياً غير تنفيذي، وتعنى بملف المعتقلين والمفقودين، التي ما زالت قضية مغيبة وثانوية في سوريا ما بعد الأسد.
والحال أن الوقفة التي نظمت أمام مجلس الشعب، بدأت يوم الخميس بشكل سلمي من دون حوادث، وهدفت إلى فتح قنوات الحوار بين السوريين في ظل اتساع رقعة العنف والحرب الطائفية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات في محافظة السويداء ومناطق جنوب سوريا، ولم يرفع المشاركون شعارات سياسية أو حزبية، بل اكتفوا بعبارات إنسانية ترفض القتل والاقتتال الداخلي تحت شعار "دم السوري على السوري حرام"، ما اعتبره موالون للحكومة الحالية بأنه "تحريض مغطى" ضد الدولة.
وتساءل ناشطون: "ما الشيء المخيف في عبارة دم السوري على السوري حرام، حتى تقابل بهذه الوحشية والهمجية؟ ويذكّر المشهد بأساليب النظام السوري في السنوات الأولى للثورة، حين أطلق عناصر أمن بلباس مدني للاعتداء على المتظاهرين السلميين، مستخدمين اللغة نفسها من الشتائم والتخوين والعنف الجسدي.
وينتشر خطاب أجوف في مواقع التواصل يقول أن "الوقت غير مناسب للاعتصامات"، بحجة أن البلاد تمر بظروف معقدة، وهي العبارة ذاتها التي كررها نظام الأسد إعلامياً ودبلوماسياً في رده على منع التظاهر والاعتصامات والتجمعات في البلاد طوال عقود.
والاعتداء على شهلا وعشرات الصحافيين والناشطين والمدنيين، هذا الأسبوع وطوال الشهور الماضية، هو في جوهره اعتداء على فكرة السلم الأهلي وعلى الحريات الفردية والحقوق المدنية، وعلى محاولات بناء مساحات مدنية للحوار، كما أنه يكشف هشاشة الوضع الأمني، والفراغ القانوني الذي يسمح للعنف المنفلت أن يتحول إلى أداة ترهيب علنية ضد كل صوت حر أو مختلف. وأن يجري الاعتداء أمام البرلمان الذي يفترض أن يحمل رمزية للدولة المدنية والديموقراطية، هو حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة الانتهاكات التي تجري في البلاد اليوم.
