ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومع تبدل قواعد الاشتباك في المنطقة، كثف الإعلام الإسرائيلي حضوره في ملف "اللبنانيين الفارين"، معيداً تفعيل رموز "جيش لحد" بصيغ جديدة، فيما تولى الجيل الثاني منهم، مهمة الاشتباك في الحيز الشعبي الرقمي اللبناني، من خلال محتوى يومي يجمع بين الحياة الخاصة، والهوية اللبنانية، والنظرة المهادنة لإسرائيل.
تشجيع على التطبيع؟
مثال على ذلك، حساب مريم يونس، ابنة ضابط سابق في "جيش لحد"، وهي شابة تقدم نفسها باعتبارها "ناشطة سلام" بين لبنان وإسرائيل. تظهر يومياً في مقاطع "ريلز" مصورة من تل أبيب، تتحدث فيها عن الحرب وتفاصيلها، كما تعبّر عن امتنانها لوجود ملاجئ وصفارات إنذار تحمي السكان في إسرائيل، وتتحدث عن إسرائيل ولبنان، وعن حياتها اليومية.
View this post on Instagram
ولا تكتفي يونس بذلك، بل تتعمد إدخال عناصر من الثقافة والعادات اللبنانية في خطابها، مشيرة إلى الأكل والحلو، وتستعرض مظاهر اجتماعية تقول إنها تعبّر عن جذورها الأصلية، مؤكدة أن اللبنانيين هناك يحافظون على هويتهم اللبنانية رغم وجودهم في إسرائيل ويتزاوجون من بعضهم البعض.
وتحاول يونس، كما غيرها من أبناء "جيش لحد"، اللعب على العواطف وتمرير رسائل سياسية مغلفة بخطاب وجداني وإنساني. واحدة من أبرز هذه الرسائل، حديثها المتكرر عن حرمانها من جدتها وجدها بسبب وجودها في إسرائيل، ومحاولتها إيجاد "بدائل عاطفية" عن أفراد عائلتها الذين حرمت من لقائهم نتيجة "الوضع السياسي". وأظهرت في بعض الفيديوهات لبنانيين مسنين مقيمين في إسرائيل، وتقدمهم على أنهم بمثابة جدتها وجدها، في محاولة لبناء مشهد وجداني يحرك مشاعر المتلقين، ويتجاوز المقاربات السياسية الصلبة.
لكن خلف هذه اللغة الناعمة، تروج يونس لرؤية متصالحة تماماً مع إسرائيل، وتمرر خطابات رمادية تتجاوز فكرة الاحتلال والانقسام والعداوة. هي لا تتبنى مباشرة الرواية الإسرائيلية، لكنها تتجنب كلياً الاعتراف بالواقع السياسي للصراع، وتتحدث عن الطرفين كضحايا متساوين، ما يندرج ضمن سياسة تطبيع الشعور، لا فقط تطبيع العلاقات.
متنفس لهم
بهذا الشكل، وجد الجيل الجديد من أبناء "جيش لحد" في مواقع التواصل الاجتماعي منصة مثالية للظهور، والانخراط التدريجي في لاوعي المجتمع اللبناني. لم يعودوا ينتظرون دعوات من القنوات العبرية، بل صاروا هم أصحاب المنصات والمحتوى، ويملكون أدوات الخطاب، وشروط الوصول إلى جمهور لبناني شاب يتعرف إليهم اليوم بعيداً من الخلفية التاريخية الصِّدامية.
يحاول هذا الجيل كسر جدار الرفض الشعبي الذي لازم آباءهم في لبنان، من خلال الاستناد إلى أدوات التواصل الحديثة لاختراق المزاج العام، بلغة جديدة، وبصورة شخصية، خفيفة، وعاطفية. صحيح أن الظهور الإعلامي للعناصر السابقين في "جيش لحد" لم يكن غائباً في العقود الأخيرة، لكنه بقي محصوراً ضمن قنوات إسرائيلية رسمية أو تقارير تسلط الضوء على أزمة الهوية والمعيشة التي يواجهها هؤلاء. أما اليوم، فالمعادلة تغيرت: باتوا في قلب "الفور يو" و"الترند"، يتحدثون بلسان لبناني، لا كمشكلة إسرائيلية، بل كرسالة موجهة بدقة إلى الداخل اللبناني.
تاريخ "جيش لحد"
وتعود قصة بقايا تلك العائلات إلى العام 1976، في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، حين تشكلت ميليشيا محلية عرفت باسم "جيش لبنان الجنوبي"، بقيادة الضابط المنشق عن الجيش اللبناني سعد حداد، قبل أن يتسلم قيادتها لاحقاً أنطوان لحد. نشأ التشكيل المسلح برعاية مباشرة من إسرائيل، التي أرادت منه أن يكون درعاً واقياً لحدودها الشمالية لها من هجمات "منظمة التحرير الفلسطينية"، التي اصطفت معها ميليشيات يسارية وعروبية وإسلامية، ولاحقاً من "حزب الله".
وتكوّن "جيش لبنان الجنوبي" في معظمه من مسيحيين مارونيين من أبناء القرى الحدودية الجنوبية، الذين انشقوا عن وحدات بالجيش اللبناني. وتم تسليحهم وتدريبهم وتمويلهم من قبل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وكان الجيش بمثابة اليد اللبنانية لإسرائيل في الجنوب، شارك في معارك ضد "منظمة التحرير" والفصائل اللبنانية الحليفة لها، خلال مراحل الحرب الأهلية الممتدة بين العامين 1975 و1990، وظل نشطاً حتى انسحاب إسرائيل من لبنان العام 2000.
خلال تلك الفترة، لم يقتصر الدعم الإسرائيلي لـ"جيش لحد" على الجوانب العسكرية، بل شمل أيضاً خدمات طبية ومساعدات اقتصادية، لتأمين مقومات البقاء في القرى الواقعة ضمن ما كان يعرف بـ"الشريط الحدودي المحتل". وحين انسحب الجيش الإسرائيلي في أيار/مايو 2000، اصطحب معه الآلاف من عناصر "جيش لحد" وعائلاتهم، قُدّر عددهم آنذاك بين 6500 و7000 شخص. لكن هذا الرقم انخفض لاحقاً إلى النصف تقريباً، بعدما عاد بعضهم إلى لبنان في السنوات التالية، وخضعوا لمحاكمات قضائية أصدرت في معظمها أحكاماً مخففة بالسجن، فيما هاجر آخرون إلى دول غربية مثل كندا وفرنسا وأستراليا.
أما من بقي منهم في إسرائيل، فواجه صعوبة في الاندماج، حيث رفض فلسطينيو الداخل استقبالهم في قراهم وبلداتهم أو تأمين مساكن لهم، فاضطروا إلى الاستقرار في بلدات إسرائيلية حدودية مثل المطلة، ونهاريا، وصفد، وكريات شمونة. ومن هناك، بدأت محاولات بناء هوية هجينة، تسعى إلى الجمع بين الانتماء اللبناني السابق، والحياة الإسرائيلية في الواقع.
واليوم، يحاول أبناؤهم إعادة طرح سردية جديدة تقول: "نحن لبنانيون"، مع الحفاظ الكامل على إسرائيل كإطار حياة يومي، لا كعدو تاريخي. يسعون إلى إعادة تعريف انتمائهم، بعيداً من السَّيَر العسكرية لآبائهم، لكن ضمن مناخ لا يعترف بالعداوة، بل يروج لفكرة "التواصل والانفتاح".
وفي خلفية هذا الحضور الرقمي المفاجئ، يظهر توظيف سياسي وإعلامي إسرائيلي واضح، هدفه إعادة تعويم "اللبناني الآخر" الذي يناهض سردية المقاومة، لكن هذه المرة ليس عبر المنابر التقليدية السياسية أو العسكرية، بل من خلال جيل رقمي جديد، أكثر مرونة وأقل صِداماً، يعرف كيف يخاطب العواطف الجماعية ويتسلل إلى المساحات الرمادية من الذاكرة اللبنانية.





التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها