حجم الخط
مشاركة عبر
أمسح دمعة ساخنة على خدي، وأنا أشمّ فرحة السوريين كما عطر المطر على تراب العجاف، يهلّلون بها كمنديل جدتي المطرّز والمرصّع بالدوائر الذهبية البرّاقة، تتناوله وترقص به في الأعراس. تقف على رؤوس أصابعها وبحركاتها الرزينة تحاكي المجوز. سوريا اليوم ترقص بمنديل جدتي الأبيض، ترفعه عالياً وتمسح به دمع السوري في كل مكان وهو يتابع وزير الاقتصاد نضال الشعّار يتقدّم بباقات الشكر لقرار الحقّ والإنصاف.
فرحة وازت سقوط الصنم وهروبه إلى ما وراء الشمس، ليكرّر 8 كانون الأول فرحته في 3 أيار 2025. لقد رفع الدهر عنا عقوبة لم نستحقّها يوماً، وانهزم رابوصاً جثم على صدورنا جيلاً كاملاً، فهل حقاً بتنا أحراراً بالكامل؟!
يلحّ السؤال وفي النفس فجوة لا يملأها إلا الأمل. من كان يقول بأن الطاغية راحل؟! فكرة سوريالية كنت مستعصية على الاستيعاب. ومَن قال بأن غيمة العقوبات الداكنة، التي أرهقت البلاد والعباد، ستنزاح فجأة؟
"امتلأ الزمان يا دمشق"، قالها يعرب العيسى في روايته "المئذنة البيضاء" على لسان بطلها "غريب" حين رجع من غربة تجاون عقوداً ثلاثة. لقد كانت أول ما خطر لي حين سقط الأسد، وكأنها تقول: لن يستقيم العدل حتى يمتلئ الزمان، وأنا أضيف: لقد طفح كيل الزمان بالأسى، بالفقر، حتى بات لكل حجرٍ مظلوميته التي يرويها لأحفاده بقية العمر.
منذ اللحظة الأولى لرفع العقوبات وأنا أعدّ المزايا التي لم نعرفها كشعب حُسب على محور المقاومة كذباً، وربما احتاج التوصيف مقالاً آخر يفنّده. إلا أننا نقف على أبواب "نعيم" غابر، نقرأ لائحة ما تجود به الملائكة على المقيمين فيه.
سألت زوجي:"يعني رح ترجع بيضة كيندر؟"، فضحك وأخبرني بأن الأهم أننا صرنا "مقاطعين" بمزاجنا وليس في القرار غصب، للمرة الأولى المقاطعة واجب وطني نعلّمه لأولادنا الذين سمعوا عنها في نشرات الأخبار فقط، وما كان لديهم خيار الانخراط فيه.
سؤالي عن الشوكولا المستوردة لم يكن رفاهية، فالسجين يفرح إن تغيّر صنف الطعام المقدّم له كل يوم، فكيف إن تلقّى لوح شوكولا في زيارة خاطفة. يتلمّس إنسانيته التي ما درى عنها منذ زمن، يتحسّسها فيجدها حاضرة. إنسانية أضاعها السوري على عتبات المشافي وهو يسمع: "تؤجل جرعتك المعالجة للسرطان إلى أجل، إلى حين إدخال المواد المحظورة". مَن أنزل يديه وقدمه المتورمة التي رفعها على الحائط المدرسي كعقوبة استمرت أعواماً، متحفّز اليوم ليجالس أقرانه ويغدو ندّاً لهم.
تسألني زميلتي عما إذا كانت شركة الصرافة الفلانية تصرف بالدولار، وبعد يومين تخبرني باستلام مستحقاتها بالعملة السورية بسعرٍ مجحف. نعم أعلم تلك الخيبة جيداً، نعمل ونكدّ وتصلنا حقوقنا منقوصة. لطالما غامرنا بأماننا واخترنا مَن احترفوا مخالفة القوانين، يناولنا إيّاها كيساً أسود من الممنوعات، ملثمون على دراجات هوائية يقذفون بكيس العملة بعد أن يخصموا أجرتهم ويهربون. يواعدوننا في أماكن مشبوهة قصيّة ن العين، ويهاتفوننا من أرقام أوروبية بسريّة تامة وكأننا انتسبنا للتوّ إلى المافيا العالمية. هل آن الأوان لنستفيق من هذا الكابوس؟ لنفتح حسابات مصرفية شأننا شأن باقي الناس الطبيعيين في أنحاء العالم؟! هذا ما قلت لصديقتي بأنه سيحصل قريباً.
حان لأطفالنا، أطفال الحرب، أن ينعموا بحياة لم يعرفوها بعد، الألعاب التي يرون إعلاناتها في الشاشات، ستصلهم عما قريب. سنعرف رفاهيات وحتى مقومات عَيش، لم تكن تعنينا، نحن من لهثنا وراء طابور الخبز والغاز المنزلي... نسأل بحماسة:"كيف سنشترك في نتفليكس؟! وكيف نتسوق أونلاين؟ لن أعود مضطرة لأن أخبر صديقتي بالبضاعة التي أعجبتني وأؤكد المقاسات لتبتاعها من دبي عبر "شي إن" وترسلها لي. ستدخل مواد البناء، الأجهزة الكهربائية، سيارات لا تختنق وتسعل مراراً.
ستتكدس الأرصفة بثياب البالة، تلك التي شكّلت نوستالجيا الذاكرة السورية. لطالما كنا شعباً يقدّس البالة، ليس لأننا نهوى الفقر، بل لأننا خُلقنا بذوقٍ رفيع لا يسمح لنا إلا أن نكون مميزين. البالة تشبه سوريا كثيراً، ثياب بدرزات وقصّات أصيلة تحاكي ترندات الموضة العالمية، لكنها مهملة. كل ما تحتاجه هو الغسيل والكيّ، علاّقات تليق بها، ومانوكانات تُظهر جمالها في أفخم الواجهات، تحت إضاءة مدروسة تظهرها كما هي فحسب.
ورغم الأمل في مستقبل بلا تقييد، إلا أني شخصياً أخشى أن تتحول البلاد ،مع تهافت عروض الاستثمار الأجنبي، مكبّاً لمخلفات تلك المعامل. لا نريد أن نصبح ضيوفاً في بلادنا، نعمل بأجور من دون تأمينات، لا سيما أن وزير الاقتصاد ألغى قانون التأمين للعمال بالأمس. فهل لنا أن نوسّع الأحلام ونصبغها بالوردي؟!
ما أسعدني هو عودة الحياة الثقافية لتنبض في عروق دمشق. قريباً سنستقبل معارض الكتب، ستدور العجلة الثقافية التي توقفت كعقوبة معنوية كما العقوبات الاقتصادية. كنا التلميذ المشاغب الذي عاقبته المعلمة فأبى كل التلاميذ أن يقتربوا منه. ارتفع ثمن الكتب مع ندرة الورق والمحابر التي لطالما أثقلت العقوبات دخولها.
قُبيل سقوط النظام السابق، طالبتُ في منشور حذر عبر إحدى المجموعات الثقافية، باستعارة رواية خالد خليفة الأخيرة "سمك ميت يتنفس قشور الليمون" وتعهّدتُ بإرجاعها. ليأتي جواب أحدهم: "خالد خليفة! وبالشام؟!". نعم، كان الأمر ضرباً من الجنون. من جهة لأنه معارض للنظام، ومن جهة أخرى: كيف لقشور الليمون أن تفوح رائحتها في هذه المدينة المقصية! حصلت على الكتاب، وعدتُ لصاحب التعليق فكتبتُ له:"صدّق أو لا تصدّق... خالد خليفة وبالشام!"
فرحة وازت سقوط الصنم وهروبه إلى ما وراء الشمس، ليكرّر 8 كانون الأول فرحته في 3 أيار 2025. لقد رفع الدهر عنا عقوبة لم نستحقّها يوماً، وانهزم رابوصاً جثم على صدورنا جيلاً كاملاً، فهل حقاً بتنا أحراراً بالكامل؟!
يلحّ السؤال وفي النفس فجوة لا يملأها إلا الأمل. من كان يقول بأن الطاغية راحل؟! فكرة سوريالية كنت مستعصية على الاستيعاب. ومَن قال بأن غيمة العقوبات الداكنة، التي أرهقت البلاد والعباد، ستنزاح فجأة؟
"امتلأ الزمان يا دمشق"، قالها يعرب العيسى في روايته "المئذنة البيضاء" على لسان بطلها "غريب" حين رجع من غربة تجاون عقوداً ثلاثة. لقد كانت أول ما خطر لي حين سقط الأسد، وكأنها تقول: لن يستقيم العدل حتى يمتلئ الزمان، وأنا أضيف: لقد طفح كيل الزمان بالأسى، بالفقر، حتى بات لكل حجرٍ مظلوميته التي يرويها لأحفاده بقية العمر.
منذ اللحظة الأولى لرفع العقوبات وأنا أعدّ المزايا التي لم نعرفها كشعب حُسب على محور المقاومة كذباً، وربما احتاج التوصيف مقالاً آخر يفنّده. إلا أننا نقف على أبواب "نعيم" غابر، نقرأ لائحة ما تجود به الملائكة على المقيمين فيه.
سألت زوجي:"يعني رح ترجع بيضة كيندر؟"، فضحك وأخبرني بأن الأهم أننا صرنا "مقاطعين" بمزاجنا وليس في القرار غصب، للمرة الأولى المقاطعة واجب وطني نعلّمه لأولادنا الذين سمعوا عنها في نشرات الأخبار فقط، وما كان لديهم خيار الانخراط فيه.
سؤالي عن الشوكولا المستوردة لم يكن رفاهية، فالسجين يفرح إن تغيّر صنف الطعام المقدّم له كل يوم، فكيف إن تلقّى لوح شوكولا في زيارة خاطفة. يتلمّس إنسانيته التي ما درى عنها منذ زمن، يتحسّسها فيجدها حاضرة. إنسانية أضاعها السوري على عتبات المشافي وهو يسمع: "تؤجل جرعتك المعالجة للسرطان إلى أجل، إلى حين إدخال المواد المحظورة". مَن أنزل يديه وقدمه المتورمة التي رفعها على الحائط المدرسي كعقوبة استمرت أعواماً، متحفّز اليوم ليجالس أقرانه ويغدو ندّاً لهم.
تسألني زميلتي عما إذا كانت شركة الصرافة الفلانية تصرف بالدولار، وبعد يومين تخبرني باستلام مستحقاتها بالعملة السورية بسعرٍ مجحف. نعم أعلم تلك الخيبة جيداً، نعمل ونكدّ وتصلنا حقوقنا منقوصة. لطالما غامرنا بأماننا واخترنا مَن احترفوا مخالفة القوانين، يناولنا إيّاها كيساً أسود من الممنوعات، ملثمون على دراجات هوائية يقذفون بكيس العملة بعد أن يخصموا أجرتهم ويهربون. يواعدوننا في أماكن مشبوهة قصيّة ن العين، ويهاتفوننا من أرقام أوروبية بسريّة تامة وكأننا انتسبنا للتوّ إلى المافيا العالمية. هل آن الأوان لنستفيق من هذا الكابوس؟ لنفتح حسابات مصرفية شأننا شأن باقي الناس الطبيعيين في أنحاء العالم؟! هذا ما قلت لصديقتي بأنه سيحصل قريباً.
حان لأطفالنا، أطفال الحرب، أن ينعموا بحياة لم يعرفوها بعد، الألعاب التي يرون إعلاناتها في الشاشات، ستصلهم عما قريب. سنعرف رفاهيات وحتى مقومات عَيش، لم تكن تعنينا، نحن من لهثنا وراء طابور الخبز والغاز المنزلي... نسأل بحماسة:"كيف سنشترك في نتفليكس؟! وكيف نتسوق أونلاين؟ لن أعود مضطرة لأن أخبر صديقتي بالبضاعة التي أعجبتني وأؤكد المقاسات لتبتاعها من دبي عبر "شي إن" وترسلها لي. ستدخل مواد البناء، الأجهزة الكهربائية، سيارات لا تختنق وتسعل مراراً.
ستتكدس الأرصفة بثياب البالة، تلك التي شكّلت نوستالجيا الذاكرة السورية. لطالما كنا شعباً يقدّس البالة، ليس لأننا نهوى الفقر، بل لأننا خُلقنا بذوقٍ رفيع لا يسمح لنا إلا أن نكون مميزين. البالة تشبه سوريا كثيراً، ثياب بدرزات وقصّات أصيلة تحاكي ترندات الموضة العالمية، لكنها مهملة. كل ما تحتاجه هو الغسيل والكيّ، علاّقات تليق بها، ومانوكانات تُظهر جمالها في أفخم الواجهات، تحت إضاءة مدروسة تظهرها كما هي فحسب.
ورغم الأمل في مستقبل بلا تقييد، إلا أني شخصياً أخشى أن تتحول البلاد ،مع تهافت عروض الاستثمار الأجنبي، مكبّاً لمخلفات تلك المعامل. لا نريد أن نصبح ضيوفاً في بلادنا، نعمل بأجور من دون تأمينات، لا سيما أن وزير الاقتصاد ألغى قانون التأمين للعمال بالأمس. فهل لنا أن نوسّع الأحلام ونصبغها بالوردي؟!
ما أسعدني هو عودة الحياة الثقافية لتنبض في عروق دمشق. قريباً سنستقبل معارض الكتب، ستدور العجلة الثقافية التي توقفت كعقوبة معنوية كما العقوبات الاقتصادية. كنا التلميذ المشاغب الذي عاقبته المعلمة فأبى كل التلاميذ أن يقتربوا منه. ارتفع ثمن الكتب مع ندرة الورق والمحابر التي لطالما أثقلت العقوبات دخولها.
قُبيل سقوط النظام السابق، طالبتُ في منشور حذر عبر إحدى المجموعات الثقافية، باستعارة رواية خالد خليفة الأخيرة "سمك ميت يتنفس قشور الليمون" وتعهّدتُ بإرجاعها. ليأتي جواب أحدهم: "خالد خليفة! وبالشام؟!". نعم، كان الأمر ضرباً من الجنون. من جهة لأنه معارض للنظام، ومن جهة أخرى: كيف لقشور الليمون أن تفوح رائحتها في هذه المدينة المقصية! حصلت على الكتاب، وعدتُ لصاحب التعليق فكتبتُ له:"صدّق أو لا تصدّق... خالد خليفة وبالشام!"





التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها