والإقبال على هذا النمط من الحضور الإعلامي، يتخطى زمنياً الاتهامات الموجهة لأبناء الطائفة الشيعية منذ إندلاع "حرب الإسناد" في جنوب لبنان في تشرين الأول 2023. هذا المسار من التنميط، بدأ في العام 2005، إثر انتشار لافتات "نحن نحب الحياة"، والتي كانت ممهورة بشعارات 14 آذار في ذلك الوقت. وإذا كان الشيعة جزءاً من الاتهام باعتناق "ثقافة الموت"، فإن الاتهام كان يشمل جميع خصوم 14 آذار بالسياسة، بمعزل عن طوائفهم، إلى أن انحسر أخيراً في "حرب الاسناد" في أبناء الطائفة الشيعية.
خيارات سياسية
والمقصود في شعار "ثقافة الحياة" و"ثقافة الموت"، التمييز بين خيارات سياسية، يسعى أولها إلى اعتبار الحياة وملذاتها أولوية، بينما يسعى الثاني الى وسم رافعي شعارات الحرب ضد إسرائيل بأنهم من معتنقي "ثقافة الموت"، وأضيفت إليه توصيفات أخرى مثل "هؤلاء لا يشبهوننا".. تصادم الشعاران في الساحات واللافتات والتصريحات السياسية، وانتقل ذلك الى "السوشال ميديا".
كرس خصوم "حزب الله" الصورة إعلامياً، واستدرجوا الحزب الى الرد، ليس بمنطق الهجوم الإعلامي، بل بمنطق الدفاع، مما جعل الشعار واقعاً يؤمن به الحزب نفسه.
كان السؤال البديهي في الحرب الأخيرة: "من فَرَضَ على الجنوبيين رفع الشعارات تحت وقع مقتلة، وأرض محروقة تسعى إسرائيل إلى فرضها في الجنوب؟". سؤال جرى التلميح له في سياقات مختلفة، مثل تلاوة الآية القرآنية: "كُتِبَ عليكم القتال وهو كره لكم"، أو "مجبر أخاك لا بطل"، وغيرها من العبارات..
وبدأ سياق الدفاع عن الخيار السياسي، محاولة لاستبعاد تهمة "اعتناق ثقافة الموت". كان حزب الله وجمهوره مستعدين للرد على هذه المصطلحات، سواء بخطابات الأمين العام الراحل حسن نصرالله، والذي رددّ في كثير من المرات "ثقافة الذل" مقابل "ثقافة الكرامة".. وأتت الحرب الأخيرة، لتزيد من حدة هذا الخطاب وحرب المصطلحات، وصدر أخيراً على ألسنة جمهور الحزب وأهل بيئته الذين يحاولون القول للداخل اللبناني لا للخارج، "أنهم يحبون حياة".
ضخ إعلامي
إزاء هذا الضخ، تقزمت المهمة الى حدود البحث عن صورة، تؤكد أن الجنوبيين يعتنقون ثقافة الحياة أيضاً. وتندرج صورة ملعب كرة القدم ضمن هذا الاطار. وفي مدينة صور في الصيف الماضي، انتشرت صورة لشبان يلعبون التنس على شاطئها، فيما الغارات تخلّف الدخان وراءهم. إضافة إلى تلك السيدة الجنوبية التي تهتم بمونتها الصيفية والغارة الإسرائيلية فوقها في منطقة الريحان إقليم التفاح، وهي التي تناقلها رواد موقع التواصل الإجتماعي آنذاك، وقيل عن الحجّة التي اتدت قبعة كبيرة تحميها من أشعة الشمس، بأنها تخاف من ضربة الشمس لا من الغارات التي فوق رأسها تماماً.
وفي الحرب الموسعة الأخيرة، أصرّ أهل الجنوب أن يُعلموا العالم أن هؤلاء الذين قتلتهم إسرائيل هم طُلاب علم وشهادات عُليا، ولديهم هوايات مختلفة، وكل مظاهر الحياة.
موقف دفاعي
الواقع أن الجمهور، وجد نفسه متأخراً، في موقف دفاعي. هذا الموقف الذي بادر اليه أرفع مستوى في الطائفة، وكرّسه حزب الله بالخطاب والأداء الميداني، لا سيما في الحرب الأخيرة التي خيضت من دون جعل "الحياة الجنوبية" أولوية، وضعت ما يسمّى ببيئة الحزب وسائر الجنوبيين، أمام مهمة جديدة للدفاع عن النفس. وذلك من دون المبادرة إلى خطاب ثالث يسحب من التداول المصطلحَين المتناقضَين والاختزاليَين. وهو ما أثار أسئلة أخيراً في مواقع التواصل: لماذا على الجنوبي تحديداً أن يثبت للعالم وللداخل خصوصاً أنه يحب الحياة؟
في رأي أهل الجنوب اليوم، أن الردّ على الاتهامات لهم بمجافاة "ثقافة الحياة"، بات أشبه بالدوران في حلقة مفرغة. فالطرف الآخر، يمعن في تكريس هذا التقسيم الاجتماعي والنفسي، "بطريقة مبتذلة"، وكان أحد أبرز صوره في الصيف الماضي، حين رُفع الشعار خلال حفلات الصيف الغنائية على الواجهة البحرية لبيروت، في وقت كان النازحون يبحثون عن مأوى آمن خارج الجنوب والضاحية الجنوبية. وكلما جرى البحث عن إثبات لـ"حب الحياة"، تصاعدت وتيرة ضخ إعلامي مقابل.
يقترح أنصار هذا التوجّه، تكريس أبعاد أخرى لصورة أهل الجنوب. البُعد المتصل بالقوة والتحدي، وليس بإعادة إنتاج السجال حول "ثقافة الحياة". فهذا المفهوم، من شأنه أن يرفع من معنويات القاطنين تحت وابل الغارات، ومن شأنه أن ينتج مفهوماً جديداً للثبات والتحدي، ويخرج اللبنانيين بأكملهم من الاتهامات والتمييز والانقسام والوسوم المتقابلة.
قبل العام 2000 لم تكن هناك وسائل تواصل إجتماعي، بل كان هناك أرشيف محكي ومصوّر للصحف والتلفزيونات، ومحاولات توثيق بدائية للحياة وتمسك هؤلاء بأرضهم. وهل من الممكن أن يُسأل لماذا هؤلاء يقصفون ويعودون لممارسة حياتهم بطبيعية؟ هي بالتأكيد أعمق من صورة "ترند" في الشبكات الإجتماعية، هي شعار أغنية يرددها أيضاً الجنوبيون المتدينين وغير المتدينين "منرفض نحن نموت قولولن رح نبقى!".
التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها