بورنوغرافيا الثروة

يارا نحلةالخميس 2025/04/24
إيمي لي وود في وايت لوتس.png
النجمة إيمي لي وود في "وايت لوتس"
حجم الخط
مشاركة عبر
"يجب أن نعترف، نحن نعيش أفضل من أي أحد في تاريخ البشرية، حتى ملوك وملكات العصور القديمة لم ينعموا بهذا العز. أقل ما يمكننا فعله هو أن نستمتع، ما عدا ذلك هو جحود وإهانة".

بهذا المنطق، تدعو إحدى شخصيات سلسلة "وايت لوتس" (White Lotus) ابنتها الشابة إلى تقبل قدرها كوريثة لثروة طائلة، من دون كثير من المقاومة. من نبرتها الناعسة تحت تخدير حبوب "اللورازيبام" واللامبالاة، تتسرب برودة من يملك ثروة لا تأكلها النيران. لكنتها الأميركية الثقيلة تزيدها عنجهيةً. لكن خطابها لا يخلو من واقعية فجة: هذا الذنب لا ينفع. لا يمكن لأحد انقاذ العالم بالتنازل عن نعمته. هذا التخلي لا يرفع الظلم عن المظلومين، بل يزيدهم واحداً.

هذه البرودة الأخلاقية هي صلب ما يقدمه المسلسل الذي  أحدث ضجة في عالم الدراما منذ انطلاقه عبر منصة "HBO" العام 2021. بمزيج من السخرية اللاذعة والكوميديا السوداء، تفتح السلسلة نافذتها على عالم ترسم فيه الفروقات الطبقية بحد السكين. عالم مقسوم عمودياً بين قلة تملك كل شيء، وكثرة لا تملك شيئاً. ومن خلف واجهته السياحية المترفة، يعرض المسلسل معالجة ساخرة ومفككة لمفاهيم الامتياز، والتفاوت الطبقي، والسلطة.

تدور أحداث السلسلة، وهي من تأليف مايك وايت، داخل منتجعات "اللوتس البيضاء" التي ترتادها فئة الـ"1%" من الميسورين. إنه عالم حصري لا يعبره الفقراء إلا كخدم، وتبنى فيه كل العلاقات على أساس تبادلي ونفعي. يتخلى وايت عن الحبكة التقليدية لصالح سرد بطيء يعتمد على مراقبة الشخصيات أكثر من الأحداث نفسها.

ويكشف النقاب عن الحدث الأساسي، الجريمة المرتقبة، في بداية الموسم، ثم تنساب المشاهد في جو من التشويق الهادئ، حيث تتعمق كل حلقة في التفاعلات النفسية والاجتماعية للشخصيات، فضلاً عن انزلاقاتها الأخلاقية التي تكشف عبر تبادلات سطحية يسودها السخرية. كل ذلك يتم بسلاسة مشدودة إلى توتر خفي، التوتر القائم بين الواجهة البراقة حيث استعراض السعادة والترف، وما تضمره خلفها من قلق وخوف.

كل تفصيل في "وايت لوتس" يعمل على تكثيف هذا التوتر: من مواقع التصوير الشبيهة بالأدغال إلى الديكور الغارق في الرموز. تتقدم المحادثات العابرة على وقع موسيقى تصويرية تنذر بكارثة، بينما يحول التصوير المناظر الخلابة إلى أماكن خانقة، حيث يعجز الجمال عن إخفاء الشروخ النفسية.

ويدور كل موسم في وجهة سياحية مختلفة: هاواي، صقلية، نيبال. يكشف هذا التنقل عن شكل جديد، أو ربما متجدد، من "الاستعمار الناعم"، حيث يصبح السفر ترفاً استهلاكياً يمارس فيه الأغنياء هيمنتهم على الأرض والناس وحتى الرموز الثقافية.

والسائحون هنا ليسوا مُستكشفين، بل غُزاة بأموالهم. يركز العمل على سلوكياتهم الاستهلاكية. فهم يستهلكون كل شيء، وبشكل مرضي وشبه قهري، من الطعام ومكملات بناء العضلات الى المخدرات والحبوب المهدئة، وصولاً الى اليوغا والتأمل وأساليب العيش "الصحي". وبهذه الذهنية الاستهلاكية يقاربون كل ما يناقضها. فيختارون فنادق "صديقة للبيئة" بينما يحتكرون ثروات العالم، ويعتنقون أكثر العقائد مادية ثم ينصرفون في أوقات فراغهم الى البحث عن مفاهيم الزهد والتخلي في الروحانيات الشرقية. لكن سرعان ما ينكشف نفاقهم عند أول اختبار، فتسقط كل محاولات ايجاد "بوذا" أمام غرفة مكيفة ووجبة لذيذة.

المفارقة الأقسى تظهر في تعاملهم مع السكان المحليين والعاملين. الفندق، بوصفه فقاعة معزولة، يحول الخدم إلى خلفيات صامتة، بينما يختزل الثقافات إلى عناصر جمالية تستهلك ثم تهمل. السائح الأميركي، المجهز بجهله وغطرسته، يتطفل على ثقافة الغير ويسطو على تجاربهم، ليغادر حاملاً "درساً روحانياً" معلباً، بينما يبقى السكان الأصليون حبيسي دور المرفهين أو الضحايا.

وللوهلة الأولى، يبدو المسلسل امتداداً لثيمة Wealth Porn أو بورنوغرافيا الثروة، التي سادت التلفزيون الأميركي لعقود: دراما تستثمر فضول الطبقة الوسطى والدنيا بالتلصص على حياة الأثرياء وتبذيرهم المفرط. لكن ما أن تمر المشاهد الأولى، حتى يتضح أن ما يفعله مايك وايت هو نوع من بورنوغرافيا الثروة المعكوسة.

فحياة الأثرياء هنا براقة بالفعل لكنها تتلألأ تعاسةً. وأي تعاسة؟ فهي ليست من النوع الذي ينصف الفقراء. وجعهم هذا، المغذى بهواجس ونزعات نرجسية، لا يستحق الشفقة حتى. لكن ربما، في هذه الهشاشة تحديداً، يتكشف شكل من أشكال "العدالة": الأغنياء يدركون أن ثروتهم محط للنظر والحسد، وأن استعراض الامتياز، وهو ما يتلذذون بفعله، يقترن دائماً بريبة خفية من الآخرين. في هذه الريبة بالذات، وما هي الا استعارة للصراع الطبقي، يجد مايك وايت شرارة عالمه المتقد بالشكوك والشرور.

تتسلل الريبة الى المُشاهد فيجد نفسه متورطاً في الصراع بين مُعسكرين. لكن السلسلة لا تمنح شرف البطولة لأي منهما، ولا توفر للمشاهد لحظة ارتياح أخلاقي. لا "أبطال" في "وايت لوتس"، فقط بشر يتخبطون في أنانياتهم. حتى الشخصيات التي تبدو "مظلومة" غالباً ما تتصرف بدافع انتهازي.

لكن خارج مفاهيم الخير والشر، السعادة والتعاسة، يحتكم عالم "وايت لوتس" لمعادلة النصر والهزيمة. الرابحون في المسلسل تعساء، لكنهم لا يسقطون. يتعثرون قليلاً، يذرفون دمعة على وسادة من حرير، ثم يواصلون طريقهم، محصنين بامتياز لا يخترقه الألم الحقيقي. هم تعساء، نعم، لكنهم غالباً ما يخرجون من المعركة منتصرين.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث