ونقلت صحيفة "الوطن" شبه الرسمية، عن مصادر قضائية في دمشق أن هناك 15 منصة في مواقع التواصل تتم ملاحقتها، وصدرت مذكرات بحث بحق أصحابها، من دون أن تكشف عن هوياتهم وأسماء منصاتهم الملاحقة.
وقالت الصحيفة أن أصحاب تلك المنصات "تمادوا في نشر مقاطع ومنشورات لا تليق بالمجتمع السوري وبالتالي تتم ملاحقتهم لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم لنشرهم مقاطع مخلة بالآداب العامة". وأضافت: "تم القبض على ثلاث مجموعات من الأشخاص يديرون منصات في صفحات التواصل الاجتماعي نتيجة نشرها لمقاطع مسيئة للمجتمع السوري، وجرى تحويل مجموعتين إلى القضاء بينما مازال التحقيق جارياً بحق المجموعة الثالثة بفرع مكافحة الجريمة المعلوماتية في إدارة الأمن الجنائي".
وشهدت الشهور القليلة الماضية، تحريضاً يومياً من طرف شخصيات إعلامية موالية للنظام السوري، مثل المذيعة في إذاعة دمشق نهلة السوسو التي كرمتها أسماء الأسد شخصياً مؤخراً، والمستشار السابق في وزارة الإعلام مضر إبراهيم، وغيرهم، ضد كل ما له علاقة بمواقع التواصل الاجتماعي، التي يتهمونها بأنها "تنشر الفجور" و"ثقافة الانحلال الأخلاقي" بشكل مدروس وممنهج من قبل "ممولين خارجين" بهدف "تخريب المجتمع السوري"، بشكل يعاكس "توجيهات الرئيس بشار الأسد"، حسب تعبيرهم ضمن نظرية المؤامرة الكلاسيكية.
ولم تعد تلك الفئة من الأصوات الموالية تحظى بهامش واسع للتعبير عن نفسها، سوى بالتشدد في الحديث عن قيم المجتمع التي يتحدث عنها رموز النظام السوري أنفسهم بما في ذلك الرئيس الأسد وزوجته أسماء، بوصفها المدخل الحالي لتبرير وجود النظام نفسه كسلطة قمعية زادت من وحشيتها بعد الثورة السورية، مع القول أنها قوة خير تحارب "الليبرالية الحديثة" إلى جانب دول مثل روسيا في وجه "الغرب السفيه الفاجر".
وبالارتكاز على هذه النقطة فقط، تحافظ تلك الفئة من الموالين الممنوعين من الحديث عن قضايا أخرى، مثل الفساد وانتقاد السلطة، على وجودهم السام في الفضاء العام بين السوريين. وتصبح قضايا مثل التدين وملابس النساء وميوعة الرجال وغيرها، رائجة بينهم من أجل التصويب على المسؤولين والأفراد على حد سواء، وإشاعة جو من الترهيب على أسس دينية و"أخلاقية"، بموازاة الترهيب السياسي الذي لا تحتاج السلطة مساعدة في نشره.
وأصدرت وزارة الإعلام بياناً عبرت فيه عن "شكرها وتقديرها" لـ"التعاون المثمر مع كل من وزارتي العدل والداخلية في التصدي لما ينشر عبر العديد من المنصات الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي، من مضامين هابطة تنتهك حرمة الآداب العامة وتسيء إلى قيم المجتمع السوري وثوابته الوطنية والأخلاقية، وإحالة المسؤولين عنها والمشاركين فيها إلى القضاء المختص".
ودعت الوزارة السوريين إلى التبليغ عن بعضهم البعض بشأن المنشورات التي يرونها "مخلة بالآداب"، وقال البيان: "في إطار حرص الوزارة على تفعيل سبل التواصل مع المواطنين والفعاليات المجتمعية بغرض مساهمتهم في الحفاظ على قيم المجتمع وأخلاقياته وآدابه العامة، تعلن مديرية الرصد في الوزارة عن توافر خدمة الشكوى الإلكترونية للإبلاغ عن تلك المنصات والصفحات المسيئة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقها".
وسواء كان الأمر يتعلق بفتاة ترقص في "أنستغرام"، أو شاب يعطي رأيه في موضوع اجتماعي خلال لقاء مصور، فإن تهمة مخالفة الآداب العامة تلاحق السوريين، كما هو الحال في دول عربية أخرى تحضر فيها التهمة نفسها، مثل مصر التي تلاحق في السنوات الأخيرة فتيات "تيك توك".
يذكر أن هوس نظام الأسد تجاه الشكل الأخلاقي للدولة السورية زاد كثيراً في الفترة الماضية، فتحدث الأسد شخصياً في خطاباته التي باتت تأتي من المساجد أحياناً، عن الأخلاق المجتمعية وكيف يحمي النظام مواطنيه من "الانفلات والتحرر". ووصل الأمر على ما يبدو إلى حد متطرف بتتبع الألفاظ "الخارجة" عن الآداب في مواقع التواصل وقرارات بمنع "المشاهد الجريئة" في الدراما السورية المحافظة أصلاً، كما صدرت عدة قوانين وتعميمات في هذا الصدد.
ففي العام 2022 هددت "لجنة صناعة السينما والتلفزيون" بإحالة كل من ينشر أي محتوى فني في مواقع التواصل الاجتماعي من دون الحصول على رخصة إلى فرع الجريمة المعلوماتية في وزارة الداخلية. وفي العام 2021، أصدر الفرع الجنائي نفسه قراراً بتجريم استخدام "الأيموجي" فيما تم حجب المواقع الإلكترونية بما في ذلك المواقع الإباحية بحجة حماية المجتمع من "الانحدار الأخلاقي".
وفكرة الحصول على ترخيص من أجل التصوير والبث في مواقع التواصل لا تحضر سوى في دول شمولية، لأن مواقع التواصل أعطت القدرة للأفراد على امتلاك صوت بمعزل عن الإعلام التقليدي، خصوصاً ذلك الذي تسيطر عليه الحكومات. ولا يتعلق الأمر بالسياسة فقط بل بالتعبير عن الذات.
ومنذ سنوات يمنع النظام السوري التصوير في الشوارع من دون ترخيص مسبق. وكان حضور المنصات التي تبث في مواقع التواصل مثيراً لغضب الإعلاميين في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، ممن لا يمتلكون ذلك الترخيص، بشكل ظهر في انتقادات وجهها سامر يوسف، مدير إذاعة "شام أف ام" شبه الرسمية قبل سنوات.





التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها