image
السبت 2022/09/03

آخر تحديث: 18:56 (بيروت)

واحد + واحد (بالضرورة) ≠ اثنين

السبت 2022/09/03 نسرين النقوزي
واحد + واحد (بالضرورة) ≠ اثنين
increase حجم الخط decrease
في المدرسة كان أستاذ اللغة العربية، يدرّس لنا استخراج الحقل المعجمي لكل موضوع أو نص معين. والحقل المعجمي، كما نعرف جميعاً، هو مجموعة كلمات مرتبطة تحمل الدلالة الوظيفية التي أرادها المؤلف في حصته التعبيرية، باستعماله كلمات متعددة قد تكون مشتقة من الكلمة (المحور) وقد تكون بمعناها ووظيفتها أو تتحرك بالقرب منها. وكمثال على ذلك فإن الحقل المعجمي لكلمة مدرسة هو: فصل، تلميذ، مدرس، قلم، كتاب، لوح، ممحاة، علم، تعليم،...الخ

وكنا عندما نجمع هذه الكلمات، تكوّن في رأسنا منطق ما حول الموضوع محل الدراسة، فيساعدنا على تعلم مفردات جديدة واشتقاق بعضها مما دخل إلى قاموسنا البدائي، لفهم وظيفة كل كلمة وربطها بالكلمة المحور التي انطلقنا منها. ثم ننتقل من البحث في الحقل المعجمي إلى البحث عن "الدخيل" في النص نفسه، أي الكلمة التي لا ترتبط، لا من قريب ولا من بعيد، بمضمون النص وثيمته، لا بالشكل ولا بالمعنى ولا تُشتق منه، لذلك هي دخيلة. وبالعودة للمثال السابق عن كلمة المدرسة، قد تكون الكلمة الدخيلة مثلاً هي: الشمس.

أفكر الآن في المجتمع بالطريقة نفسها، وأحاول تقسيمه حسب المكان والوظيفة، إلى حقل معجمي. فهنا المستشفى وهنا البيت وهنا الفيسبوك وهنا الجريدة وهنا الشارع وهنا الطبيعة.

أبدأ بتمرين استخراج الحقل المعجمي لكل مكان. مستشفى: طبيب، ممرضة، بنج، مواعيد، أنبوب، دواء. الفايسبوك: فضاء، أصدقاء، لايك، منشور، تعليق، مشاركة، ضغط، متابعة، مارك. طبعاً الأمثلة لا تعد ولا تحصى.

أقتحم أي عالم من هذه العوالم، بشكل واقعي، وألاحظ أن الكلمات التي جمعتها للدلالة عليه هي جزء صغير من الواقع، وأنه في الحقيقة مؤلف من الكثير من الكلمات الدخيلة. فمثلاً يمكن أن أضيف إلى المستشفى: الموت، النميمة (بين طاقم العمل وهذه نقطة لن تدخل، أبداً، بمنطق الحقل المعجمي اللفظي). أكمل عن المستشفى: فريش دولار (عن التكاليف وما إلى ذلك)، غلطة (طبيب) تودي بحياة مريض، إلى ما هنالك من اشتقاقات يمكن أن تضاف لهذا المجتمع الصغير.

إذن ما الفرق الحقيقي، الواضح، والضروري فهمه، بين الحقل المعجمي اللفظي والحقل المعجمي الدلالي؟

وهل يمكننا القول إن المدارس، أو المكان الذي تنطلق منه أسس تكويننا للمعاني، بشكل عام، تعطينا صورة سطحية فقط عن ثيمات الحياة، ولذلك عندما نخرج من المدرسة نصطدم بالحياة الحقيقية؟ الحياة التي تتجزأ إلى حيوات عديدة ومجتمعات صغيرة مؤلَّفة من حقول ثابتة والكثير من الثيمات الدخيلة كواقع ثابت... فيقولون إن مدرسة الحياة هي المدرسة الحقيقية، وفي هذا جزء كبير من الحقيقة، فعلاً. لهذا يمكننا اعتبار المدرسة حتى عمر ما قبل المراهقة، كأنها يوتوبيا، كل ما نأخذه منها ما هو إلا قشرة رقيقة من الواقع، مجرد صيغة مبسطة لتداخلات الحياة. فإذا لم يعمل الأدباء والفنانون والمرشدون وغيرهم ممن يطرحون أنفسهم كأنهم وُجدوا، فقط، ليغيروا العالم، على تغيير هذه النمطية... وإن لم يعملوا على حك عقل المتعلم الأول وخضه بمفاهيم واقعية، ستبقى هذه الهوة بين الدروس على الورق والدروس التطبيقية.

لهذا يتعرض بعدها كثيرون إلى صدمة الواقع. كصدمة طالب في الإعدادي، نعلّمه أن التنمر (كمعنى وفعل)، ولو كانت كلمة دخيلة، هي ضمن الحقل المعجمي للمدرسة. وننطلق من هذا المفهوم إلى ما هو أبعد، إلى أن الحياة ليست 1+1=2.

وحتى لو صُدم الطالب ورفض ما هو غير منطقي، أي اعتبار كلمة تنمر ضمن الحقل المعجمي لمدرسة، بحسب التعريف الأولي الذي درسه في مرحلة سابقة، إلا إن هذا سيكون أول درس له في النقد الذهني وفي الحقل المعجمي الدلالي الواسع لتجربة الحياة.

ولو انطلقنا ممّا تقدّم، لتطبيقه على الكتابة بحد ذاتها، كفعل وردّ فعل إبداعي، نرى بعض الكتّاب يخافون الخروج على الحقل المعجمي المنطقي لثيمة الرواية، كمثال أشمل لمنظومة الكتابة الإبداعية، كي لا يُتّهَموا باللامنطق، فتخرج كتاباتهم على المسطرة ضمن حقل مغناطيسي محوره واقع ليس بواقع حقيقي. أما الكتابة الإبداعية، فهي جمع كل الحقول التي تصطف وتطير حول المحور الأساسي، لأنها، بنقلها الواقع، عليها توخّي الصدق والذكاء لالتقاطه، والجرأة لخلق كلمات جديدة يعتبرها نقاد تقليديون وقراء قصيرو النظر، دخيلةً على الحقل المعجمي للرواية، لكنها على العكس من ذلك، تماماً.

تتكون عملية الإبداع من اللامنطق بالأساس، إذ إن الأفكار هي عبارة عن حقول معجمية متداخلة ضمن تشريح طبقة من المجتمع: قطاع عرضي أو قطاع طولي في حياة تنبني كعالم واقعي مصبوغ بالصدق بالأساس، وبحسب موقع الكاتب من نصه. والتشريح لطرح سؤال عن مشهد انفعل به الكاتب بالأساس، وعلى أثر انفعاله بدأ في تكوين عالم متخيل يمكن من خلاله مناقشة قضية المشهد الأولي الذي أثاره، منطلقاً من نقطة يمكن أن تكون ذاتية جداً، إلى تناول عام يخص جمهور القراء. فعند بناء عالم روائي يرتكن أبطاله مثلاً، إلى منزل، فحقله المعجمي النمطي معروف، يُفلسف الكاتب أثاث المنزل باعتباره الحيز الذي تدور فيه الأحداث، فيصبح لكل تفصيل في المكان دوره المعهود. لكن، يمكن في عملية بناء المشاهد ووصف الحدث داخل المكان، أن ينحو الكاتب إلى استخدام حقل معجمي آخر، لحيز يمكن أن يتداخل مع المنزل المشار إليه، ليقوم بدور في تشويش الصورة أو ليركّز الرؤية في اتجاه آخر يفيد في طرح القضية أو الفكرة.

وهنا، تكون لمخيلة الكاتب وذكائه أهمية كبرى، لاستجلاب كل طاقات حقوله المعجمية الوصفية، واللعب على الحقول الدلالية للمفردات، لتمتزج مع الحقل المعجمي للمنزل المشار إليه أصلاً كبطل داخل المروية. كمثال ظهور مخزن للغلال في داخل مروية تدور أحداثها في منزل موظف عمومي من الطبقة المتوسطة في بلد شرق أوسطي. هنا الحقل المعجمي لكل من الحيزين، يختلف قليلاً. لكن، بتداخلهما، يمكن طرح فكرة على لسان بطل المروية، عن حريق دار في مخزن الغلال لمنزل فلاحي في الماضي، أثناء إطفاء حريق يدور في منزل طبقة متوسطة لا يمكن أبداً أن يحتوي على مخزن غلال في الحاضر الفعلي للمروية الحالية. هنا حقول تتداخل، لكن دلالاتها تتشارك في الحدث، وهذا هو المقصد من تداخل الحقول المعجمية، لتنطلق حقول دلالية داخل النص التعبيري.

وبالعودة إلى الفكرة الأمّ. في المدرسة، وبالضرورة، يحتاج الطلاب لإعادة هيكلة منظومتهم التعليمية، لتنتقل من التلقين إلى التحفيز، المشاركة، العصف الذهني، الابتكار، والنقد. لأنه باستمرار نمطية التعليم في مدارسنا، بناء على مناهج التلقين المتبعة منذ عقود، فسنظل ندور في الحلقة المفرغة ذاتها: سوق عمل يحتاج إلى خبرات نجتذبها من خارج الشرق، وفئة من حائزي الشهادات الأكاديمية الفارغة، وهجرة لذوي الخيال من المغردين خارج السرب. فالضرورة تلحّ وبشكل سريع، لبناء منظومة تعليم جديدة تعتمد على ذوي الخيال ومُدرّسي النقد، وابتعاث التطبيق غير النموذجي من رماده. فدائماً وأبداً، وبناء على الفلسفة التي هي العِلم الأشمل، فمجموع واحد+واحد بالضرورة لن يساوي اثنين.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها