image
الخميس 2022/09/22

آخر تحديث: 13:50 (بيروت)

ستّي فضة التي لم تمرّ عليها المَجاعة

الخميس 2022/09/22 مِهاد حيدر
ستّي فضة التي لم تمرّ عليها المَجاعة
ألف ليلة وليلة (غيتي)
increase حجم الخط decrease
لم أكن يوماً مولعة بقصص نساء عائلتي، مثلما أنا الآن. لم أعرف عن الحكايا إلا القليل من حكايات "ألف ليلة وليلة" التي قصّتها لي جدتي عندما كنت صغيرة. خيانة الملك شهريار ودهاء شهرزاد، الست بدُور جوات سبع بحور، والجماجم التي نبتت من داخلها سيقان نباتات الريباس الخضراء، وقد إنبثق منها أوّل زوج بشري حسب الأساطير الزرداشتيّة، والمرات الكثيرة التي أكلنا تلك النباتات سرّاً داخل الصف أنا ورفيقتي التي كانت تخفيها داخل عباءتها السوداء.

قصص أيضاً عن الأفاعي والأُسود خلف الأبواب المغلقة، عن ليالي جنتا القارصة، والرجل الذي تاه في الثلج هو وإبريق الحليب فزار مغارة يملأها الجان لتتزوجه إحدى الجنيّات في وليمة عرس طويلة لم يستفق منها إلا عند البسملة، والخنازير البريّة المحمّلة بسلال الذهب، والجنيّات التي تسرق ليلًا فساتين العذارى وتعيدها صباحاً.

كل تلك القصص... لقد كبرتُ على هذيان الجماعات التي انتميت إليها، على أخبارها الغريبة والمخيفة أحياناً، المشحونة بالعواطف والخيالات والوقائع.

البارحة سألت أمي بدافع الفضول، أنا التي أبحث عن نسيباتي جميعهن، عن نساء عرفتهن من خلال القصص أو كأطياف بعيدة تجلس أمام البيوت الطينيّة العتيقة أو تحت أشجار التوت الشامي، فأشعر بدمائهن تنساب في شراييني بحموضة الفاكهة النبيذيّة.

أقف اليوم، على بُعد أجيال، أستمع لعمتي وهي تكرّر بهمهماتها، وبلسانها الذي لا تستطيع السيطرة عليه عند انطلاقه، بأنّها تحتاج لمن يسمعها ويطمئنها بشأن الكلاب التي لاحقتها طيلة حياتها في الجرود والكروم، وما زالت تلاحقها على بابها، فتسيطر على خوفها بأسطرته، فأنتظر أساطيرها:

"ستّك فضّة، في الحرب العالميّة الأولى، وبينما كان لبنان منقسماً بين ولاية ومتصرفيّة، سكنت هذه الجَدّة الكبرى في البقاع الأوسط، ترمّلت باكراً بسبب مكيدة بين أبناء العموم، وما كان عليها للحفاظ على حياتها وحياة أولادها إلا زراعة القمح، وحصاده وخَبزه وتجفيفه بعد الخَبز وإعادة استخدامه لمرات ومرات، فلم تمرّ المجاعة عليها، خزائنها كانت عبارة عن توابيت على السقيفة تخبىء فيها الزبيب والحمص، ويقصدها كثيرون عند الحاجَة...".

تعيد أمي الحكاية أيضاً بشهادة عجائز القرى المجاورة، عن فضّة أمّ كنوز الذهب، وعمتي التي كادت تسقط في البئر أثناء عملها في الجبل عند الدروز، عن جدّتي التي ثبّتت ملكيّة الأرض بعد وفاة جدي لكنها، مع ذلك، لم تنل منها شبراً بسبب قوانين الميراث... عن عنتر ورمّان، الجمَلَين اللذين كانا يحملان المواسم من السهول قبل انقراض الجِمال في البقاع..

أستمع لأخبارهن، وأنا بعيدة جداً، وقريبة جداً. أنتظر أن تندلق جِرارهن، أن يفتحن أفواههن لأعرف. ربما لأعرفهن قليلاً.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها