image
الجمعة 2022/09/02

آخر تحديث: 19:06 (بيروت)

سماء بلا طيور

الجمعة 2022/09/02 يارا نحلة
سماء بلا طيور
طيور اسطنبول (غيتي)
increase حجم الخط decrease
بعد سنوات من التردّد على مدينة اسطنبول، وعيش فترات طويلة فيها، ما زال يدهشني منظر السماء الواسعة والمزدحمة بالطيور. فالسماء التي عشت تحتها معظم حياتي، سماء لبنان، لم تكن يوماً مفتوحة أمام احتمالات الحركة والحياة البرية.. فهي بالكاد ممكنة للحياة البشرية. هي سماء باحتمالات ضيقة، بالنسبة للبشر والطيور على حدّ سواء. سماء لا تأخذنا سوى الى وجهات قليلة، بما يتيحه جواز سفرنا البائس.

في سماء اسطنبول ثمة دائماً ما يحدث؛ نوارس تتشاجر مع الغربان أو في ما بينها. طيور تزعق في بعضها البعض بسبب قطعة خبز، وأخرى تزعق من دون أي سبب على الإطلاق، وكأنها تعلن ساعة القيامة. طيور تضحك بملء مناقيرها، وتصدر أصواتاً في قمة الإزعاج والتهكم وكأنها تسخر من بَني الأرض. طيور تقف على قمم المباني محدقةً في الفضاء كمتأمّل بوذي يملك أسرار الكون.

أما المشهد الأجمل والأكثر رومنطيقية على الإطلاق، فهو مشهد أسراب الطيور المهاجرة نحو الدفء. الطيور لا تفكر مرتين قبل الهجرة. حركتها فطرية وتلقائية، ولا تضلّ طريقها يوماً. أظنها الأوفر حظاً بين المخلوقات، أو كما قال أورويل: "الحيوانات كلها متساوية، لكن بعضها متساوٍ أكثر من غيره".

يثير فيّ ذلك المشهد العاصف للطيور المهاجرة، مزيجاً من الراحة والميلانكوليا، والحسد بالطبع. أحسد حريتها وقدرتها على عيش فردانيتها، حين تسمح الظروف، وعلى التحرّر منها حين يتحتّم ذلك. فالطيور تعيش على الأرض فرادى، وتسافر جماعةً.

على متن الباخرة التي تحملني من الجزء الآسيوي للمدينة نحو الجزء الأوروبي، أراقب أمّاً تعلم صغيرها الطيران فوق البحر. يكاد الطير الصغير يسقط في المياه مع اشتداد الريح التي تتلاعب به من ناحية الى الأخرى، ويكاد قلبي يهبط معه، لكنه ينتشل نفسه في اللحظة الأخيرة ويحلّق طائراً. أحسد تلك المخلوقات مجدداً. هذه المرة على غياب خوفها، وعلى تحدّيها لقانون الجاذبية وانعدام مبالاتها بأزمات من يستوطنون عالم الأرض السفلي.

يشعرني مشهد الطيور بخفة لم أعهدها من قبل. كنت أظنّ في السابق أن المدن ليست أمكنة طبيعية للطيور، لكن يتراءى لي اليوم أنها تتغلّب حتى على البشر في قدرتها على التأقلم مع عالم البلاستيك وعصر الآلة.

يستغرب السكان المحليون حين أخبرهم أن الطيور هي أكثر ما يبهرني في هذه المدينة. يخبرونني أنها ليست بالوداعة والطيبة التي أظنها. إنها في الحقيقة مثيرةً للخوف، فقد تهاجم المارة أو تسرق من أفواهم الطعام. أعي في واقع الأمر أن الطيور ليست مخلوقات رقيقة ومغرّدة فحسب، أدرك أنها كائنات وحشية أحياناً، وهذا من أسباب افتتاني بها. فالطيور هي استعارة للطبيعة بكل أحوالها وتقلباتها، هي الأغنية التي يشدوها الشعراء وأصحاب القلوب الحالمة.

أجلس يومياً على مكتبي المواجه لنافذة غرفة المعيشة التي تطلّ بوسعها على شقق وحيوات الآخرين. وفيما تحتجب هذه الحيوات خلف الستائر، أختار شخصياً التنازل عن بعض من خصوصيتي من أجل مشاهدة الطيور التي تستوطن أسطح المباني وفتحات المداخن. يخيّل إليّ أنها تملك مفاتيح الألغاز التي لن أقوى يوماً على فكّها.

تأخذني حركتها وسكونها المتأمّل، بعيداً من شاشة الكومبيوتر والحياة العملية الرتيبة، بحثاً عن الحلم، الحلم الذي تحملني اليه أجنحة النوارس من دون أن أمتلك سرّه يوماً. أوليس ذلك تعريف الحلم؟ أن نحياه بكل ما فيه من عمق، من دون أن نلمس سرّه؟ الطيور هي ملاذنا، نحن الذين نفضّل أحلام اليقظة على اليقظة. أكاد أجزم أني، لولا طيور اسطنبول، لكنت متّ مللاً.

تعيدني هذا المشاهد بالذاكرة الى سماء لبنان، تلك التي قرّر المسؤولون، قبل بضع سنوات، قتل نوارسها التي تعترض حركة الملاحة الجوية. ولم ينته الأمر هنا، بل كلّفوا سكان المدينة بمهمة قتلها أيضاً. المثير للسخرية أنه ليس في قرار الدولة ذاك ما يدعو للاستغراب، يمكن حتى إيجاد مبررات منطقية له.

لعلّ قرار قتل الطيور في بلدٍ مثل لبنان، فيه رأفة للبشر. فما حاجة سكان لبنان للحلم؟ إن الحلم تحت سماءٍ مكبّلة بواقعٍ بائس قد يكون ساحقاً للروح. إن فريضة النجاة في بلدٍ مثل لبنان تستدعي التشبث بالأرض وتناسي أمر السماء. فهي سماء قاحلة على كل حال، ولا سبيل اليها سوى بالموت.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها