image
السبت 2022/09/17

آخر تحديث: 14:03 (بيروت)

أهلاً بـ"كَيّ الوعي"

السبت 2022/09/17 راغب ملي
أهلاً بـ"كَيّ الوعي"
increase حجم الخط decrease
أخرجت مئات الندوات والحلقات التلفزيونية والاذاعية وآلاف التغريدات، مصطلح "كيّ الوعي" من مدلولاته الأولى المتصلة بجوهر الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي، لتتوسع الاتهامات من مراكز القرار الإعلامي والسياسي في تل أبيب الى بيروت، حيث بات الانتقاد السياسي، ومعارضة الطبقة السياسية، دليلاً لدى جمهور أحزاب السلطة على أن مفهوم العدو الاعلامي يتمدد الى الساحات والفضاء الالكتروني، ويوظفه خصوم السلطة لمقارعتها.


ويرتبط المفهوم في ذهنية المواطن العربي بالكيان الصهيوني، لمنشأه المُتصل بمؤسس التيار التنقيحي في الحركة الصهيونية زئيف جابوتنسكي (1880-1940)، ووروده على لسان السياسي الإسرائيلي موشيه يعلون إبان الانتفاضة الثانية، وقيادات دولة الاحتلال في حرب تموز 2006.

ونظرية "كي الوعي" تُشكّل الأساس والجوهر لمقولة جابوتنسكي عن السور الحديدي الذي "يضرب العرب رؤوسهم به مرة بعد مرة إلى أن يقتنعوا باستحالة إزالة" كيان الاحتلال الاسرائيلي، وبالتالي، كما يقول، لا بد من التعايش مع وجوده بشكلٍ أو بآخر. وبعيداً من السياسة أيضاً، أولى جابوتنسكي اهتماماً خاصاً بالمسرح، وكان من أوائل المنظّرين لاستثمار الفنون المشهدية، وتحديداً السينما آنذاك، لخدمة المشروع الصهيوني، وبأنّ هذه المهمة أيديولوجية بامتياز يتطلّع من خلالها إلى تقديم واقع تاريخي مُغاير، بناءً لروايته، فضلاً عن تهميش الآخر ومحاولة إلغائه.

يُعمل بهذا المفهوم منذ القِدَم، ولو تعدّدت التسميات والوسائل بحسب كل حقبة زمنية، غير أنّه لا يختلف عن مناهج وسياسات الحرب الناعمة التي تستهدف دماغ الإنسان لغسله وتغيير أفكاره ومعتقداته، ما يُنتج قناعات جديدة مُنحرفة كلياً عن الاتجاه الصحيح، إضافة الى ترسيخ قناعة لدى الفرد باستحالة هزيمة الطرف الآخر نتيجة تفوقه وثباته وعدم تراجعه وما شابه من هذه العوامل.

لبننة كيّ الوعي

وبعد التظاهرات الحاشدة التي شهدها لبنان في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ضجّت شوارع بيروت بآلاف المتظاهرين الرافضين لمزيد من الضرائب، وسرعان ما توسّعت الاحتجاجات وعمّت أنحاء البلاد في ذلك الوقت، في مشهدٍ غير مسبوق للنسيج اللبناني، عبّر عن توحّد شعبه خلف المطالب ذاتها بالتخلّص من الطبقة السياسية، نتيجة سياسات المنظومة الحاكمة والأداء الاداري الفاسد ونهج المُحاصصة الذي طاول قطاعات البلد كلها.

وعليه، استنفرت قوى الأغلبية لإعادة السيطرة على جماهيرها التي خرجت الى الشارع في بداية المشهد، وسخّرت كل ما لديها لإعادة التمّكن والسيطرة، من خلال شد العصب الطائفي من جهة، والأيديولوجيات ونظريات المؤامرة الخارجية من جهةٍ أخرى. وكان لوسائل الاعلام التقليدي والرقمي دور أساسي في هذه العملية الاحتوائية لإعادة السيطرة وإحكام القبضة على الجماهير، وضمان نيل أصواتهم في العملية الانتخابية اللاحقة.

وعملت وسائل الاعلام وما يتبع لها من صفحات وحسابات في الفضاء الرقمي، على تعويم بعض الشخصيات الدينية أو الإعلاميين والباحثين والناشطين التابعين لبعض قوى الأغلبية الذين يتقاضون أجورهم منها، واعتمدت استراتيجية التوازي بين استقبال الضيف على شاشاتها في الاعلام التقليدي مع النشر والترويج لخطابه عبر منصّات التواصل الاجتماعي التي تتميّز بشعاع الانتشار السريع، ما أثّر أيضاً في تفعيل الحسابات الشخصية لهؤلاء الضيوف الذين أصبحوا في ما بعد مرجعيات لجمهور هذه القوى.

وتمركز دور المؤثرين بتعبئة الجمهور واستقطابه عبر خطاب التعبئة والأدلجة، واستخدام بعض المصطلحات والمفاهيم الفلسفية ومن أبرزها مُصطلح "كيّ الوعي"، بُغية تكوين رأي عام رقمي يمتد لاحقاً الى واقعي ويستثمر في العملية الانتخابية. وأفلحت هذه الجهود في النتائج الانتخابية الأخيرة، علماً أنّ الدور نفسه مازال يُمارس حتّى الساعة ضمن المنهجية نفسها، وهو في طريقٍ تصاعدي.

وتم توظيف مصطلح "كيّ الوعي" كاتهام لكل من يُعارض أداء المنظومة السياسية الحاكمة. وفي مطالعة عامة لمنصّات التواصل الاجتماعي، كونها ساحة التأثير الأبرز في الجمهور، يُلاحظ انتشار تغريدات أو صور وفيديوهات تفاعلية أو ردود على بعض التغريدات لإعلاميي أو ناشطي "حزب الله" وحلفائهم، بإطلاق اتهام ممارسة "كيّ الوعي" لكل من عارض ويعارض إعادة إنتاج المنظومة الحاكمة منذ 30 عاماً، أو كل من يتناول القضايا الاجتماعية اليومية التي يعانيها المواطن اللبناني.

ربما تمتلك هذه القوى قاموساً خاصاً بالمصطلحات يختلف عمّا هو سائد. لا يميز جمهور أحزاب السلطة بين الخصومة والعداوة. الأولى تنطبق على أخصام الداخل، بينما تقتصر العداوة على العدو الخارجي. غير أن الخلط بين عدو يهدد وجودياً، وخصم يطالب بالتصحيح وإعادة ودائع الناس ومكافحة الفساد ونظام رعاية صحية شامل، غير مفهوم، ولا يمكن ردّه إلا الى الخلط بين المؤامرة والمواجهة السياسية. ويبدو أن أحزاب السلطة لا تعترف بالمواجهة السياسية أصلاً، بل تُسقط عليها شعارات كبرى، حتى لو كانت احتجاجاً على موت الأطفال أمام أبواب المستشفيات، أو على فقدان الكهرباء وسطوة مافيات الموّلدات ومن خلفهم أرباب الخوّات والبلطجة.

وإذا كانت هذه المطالب التي تتجسّد بتحقيق العدالة الاجتماعية واعتبار المواطن اللبناني وحقوقه القضية الأولى، والمناشدة بإقامة دولة مؤسسات، بعيدة من نموذج العصابة الحاكمة، فأهلاً بـ"كيّ الوعي".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

الكاتب

مقالات أخرى للكاتب