image
الأربعاء 2022/09/14

آخر تحديث: 16:43 (بيروت)

"لعنة الأسد": برج إيفل يطفئ أنواره باكراً

الأربعاء 2022/09/14 وليد بركسية
"لعنة الأسد": برج إيفل يطفئ أنواره باكراً
حين أطفأ برج إيفل أنواره تضامناً مع حلب.. وفرح موالو الأسد بـ"انتصاره" (غيتي)
increase حجم الخط decrease
في بلد تنعدم فيه الكهرباء تقريباً مع وصول معدل التقنين اليومي إلى نحو 20 ساعة مقابل 4 ساعات من التغذية المتقطعة، يجد موالو النظام السوري الرفاهية الكافية والوقت لتسجيل فيديوهات والتقاط صور وكتابة منشورات ساخرة تشمت من الأوروبيين الغارقين قريباً في الظلام ومتنسّمي البرد في الشتاء، أو غير القادرين على الاستحمام، قبل أن يكملوا التنعم بـ"مكرمة الأسد" المتمثلة في وصل التيار الكهربائي وتوزيع جِرار الغاز عبر البطاقة الذكية مرة واحدة كل بضعة أشهر.

ورغم أن المشهد ليس جديداً بل يعود إلى بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير الماضي وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتوقف شحنات الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتفاقم مع كل قرار بسيط لا يشكل فرقاً في حياة الأوروبيين مثل قرار بلدية باريس الأخير بإطفاء الأنوار عن برج إيفل باكراً توفيراً للطاقة، والذي يتم تضخيمه في الدعاية الأسدية ليصبح حدثاً مفصلياً "يرسم معالم العالم الجديد في مرحلة ما بعد انهيار القطب الواحد"، وغيرها من العبارات المضحكة حقاً، قبل أن تتم الزيادة عليه بالقول أن التقنين يبداً في أنحاء العاصمة الفرنسية كل يوم من العاشرة ليلاً حتى الصباح ويزيد في الريف الفرنسي.



لا تدرك تلك المقاربات المنطلقة من فهم محدود للعلاقة بين المواطن والحكومة يعتمد على الأسلوب الأسدي في الحكم فقط، أن المواطن الأوروبي ومن في حكمه من مقيمين في دول الاتحاد الأوروبي، لم يشعروا كثيراً بتبعات حرب أوكرانيا، باستثناء ارتفاع الأسعار العالمي فقط، وتم تثبيت أسعار الطاقة في دول أوروبية عديدة منها بريطانيا، لسنوات مقبلة، ما يعني أن العواصم الأوروبية وبروكسل قدمت حزم دعم لحماية المستهلكين الأفراد من تبعات أزمة الطاقة، بعكس ما يحدث في سوريا الأسد حيث يتسبب النظام في تلك الأزمة ويدفع مواطنيه نحو السوق السوداء قسراً حيث تنشط مجموعة من الميليشيات وأمراء الحرب ورجال الأعمال، لصالحه، من أجل توفير بدائل شديدة الرداءة من ناحية الجودة، سواء ما يخص المولدات أو جِرار الغاز شبه الفارغة وحلول الطاقة الشمسية الصينية التي تثير قلق خبراء بوصفها خطرة وتحول البلاد إلى "مقبرة لنفايات الطاقة الشمسية".

ومن فيديوهات الممثل السوري معن عبد الحق، إلى منشورات المستشار السابق لوزير الإعلام مضر إبراهيم، يمكن رصد ضخ ممنهج يسخر تحديداً من قرار بلدية باريس إطفاء الأنوار عن برج إيفل، أشهر معالم العاصمة التي يسخر الأسديون منها ويقولون أنها لم تعد عاصمة الأنوار بل عاصمة الظلام والتقنين. وتزداد الشماتة مع مقاربات سياسية. فإطفاء البرج أنواره حداداً على ضحايا القصف السوري الروسي المشترك على مدينة حلب قبل سنوات، يصبح مادة للتندر والضحك بين الموالين لأن النظام كسب الحرب، ووفق ذلك المنطق يصبح التقنين المفترض اليوم في فرنسا، والذي ليس له وجود حتى اللحظة سوى في الدعاية الرسمية السورية ومروجي نظريات العداء للغرب في العالم العربي، ثمناً محقاً لذلك الموقف السياسي.



واللافت أن الكثير من الشماتة ينطلق من سوريين في الداخل إلى لاجئين سوريين في الدول الأوروبية، بصورة حقد دفين ضدهم، ربما لأنهم نجوا من الجحيم الأسدي نهائياً، بعكس الشامتين فيهم ممن لا يجدون سبيلاً للهرب من البلاد، فيوجهون مشاعرهم الغاضبة نحو اللاجئين كبديل عن المتسبب في أزماتهم في ظل القمع الرسمي المتزايد. علماً أن التوصيف الرسمي للاجئين السوريين حول العالم هو "الخونة والعملاء" حسبما يكرر رئيس النظام بشار الأسد في كل لقاءاته وخطاباته الإعلامية، بما في ذلك ظهوره الأخير قبل أيام في "المركز الوطني للمتميزين".

وبعيداً من سوريا نفسها، يمكن ملاحظة  الخط نفسه من الشماتة في الفرنسيين في "تويتر" من قبل معلقين عرب من جنسيات مختلفة، لأن العداء للغرب يعتبر أصلاً مادة رائجة في الإعلام العربي، التابع للأنظمة الحاكمة والمعارض لها على حد سواء، على مستويات عديدة لأسباب دعائية، تنتقل إلى مواقع التواصل ضمن دائرة مغلقة تنشر التحريض على أساس يومي ممنهج. وفرنسا منذ سنوات تلقى الحيز الأكبر من ذلك الضخ بوصفها "رأس الحربة في عداء الإسلام" وهو الوصف الرائج لها في "تويتر"، خصوصاً أن رئيسها إيمانويل ماكرون "مُحرِّض على كراهية الإسلام" وفق هذا المنظور، بسبب قضية مجلة "شارلي إيبدو" والموقف من الرسوم الكاريكاتورية الخاصة بنبيّ الإسلام محمد، إضافة إلى أحقاد آتية من الحقبة الاستعمارية أيضاً.



وسواء كان الحديث عن لعنة الأسد أو الانتقام الإلهي أو الكارما، فإن النتيجة واحدة، ومفادها أن وجود أزمة محلية أمر طبيعي طالما أنها تحدث أيضاً في أوروبا بوصفها القارة النموذجية والأكثر رفاهية. ويصبح القمع اليومي والبؤس وانعدام الخدمات مبرراً وطبيعياً لأن المشكلة عالمية وستزداد سوءاً. ويصبح المواطن الأوروبي ضحية تستحق ما يحصل لها بسبب تصديقها لـ"كذبة الديموقراطية" بعكس المواطن الواعي في سوريا مثلاً والذي "يثق في القيادة الحكيمة" من أجل إيصاله إلى بر الأمان.

ومع تجريم الاحتجاج وتزايد الاعتقالات وإطلاق صفة الخيانة على من يطالب بظروف معيشية أفضل، يصبح البديل الرسمي تقديم معركة وجودية بديلة لاحتواء المشهد، تكون فيها السلطة معادية للغرب ضمناً لأنه مصدر الشرور الفكرية والحريات والليبرالية وهدم القيم العائلية. ويصبح الصمود في وجه الرأسمالية الغربية، ضرورة لنصرة الأمة والدين وإعلاء لقيمة الوطن، من دون أن يزيد اعتناق كل تلك الأفكار من حصة الفرد اليومية من الكهرباء والغاز أو الخبز مثلاً، لأن المعاناة "وسام شرف" ودليل على "حب الوطن".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها