image
الإثنين 2022/09/12

آخر تحديث: 16:19 (بيروت)

"أخبار اختطاف" ماركيز مسلسلاً تلفزيونياً.. الواقعية الكابوسية

الإثنين 2022/09/12 محمد صبحي
"أخبار اختطاف" ماركيز مسلسلاً تلفزيونياً.. الواقعية الكابوسية
increase حجم الخط decrease
من بين أعمال غابرييل غارسيا ماركيز كلها، ربما يكون "أخبار اختطاف" (ترجمه صالح علماني إلى العربية بعنوان "خبر اختطاف") العمل الأكثر قابلية لنقله إلى الشاشة. إذ يُروى بأسلوب صحافي-وثائقي أكثر من بقية مؤلفاته، بوتيرة أقرب لليوميات التوثيقية تبدأ بعمليات الاختطاف نفسها، وتستمر خلال المفاوضات، وتسترق النظر إلى يوميات الأسْر وتلخّص مصائر الشخصيات المختلفة المعنية. ويأتي هذا كله، في إطار من النثر المفصّل والمرئي المحدد الذي "يسهّل" عمل كتاب السيناريو والمخرجين. 

في الواقع، لا حاجة لإجراء تعديلات كبيرة على الكتاب لنقله إلى الشاشة، خصوصاً إذا كان لديك الوقت والمساحة اللذان يوفّرهما مسلسل تلفزيوني قصير من ست حلقات.

يروي الكتاب وقائع عمليات اختطاف مجموعة من الشخصيات الكولومبية البارزة (أغلبهم صحافيين) في أوائل التسعينيات من قبل كارتل ميديين، لمؤسّسه وقائده بابلو إسكوبار. 

أخيراً، عرضت منصة "أمازون برايم" النسخة التلفزيونية من الكتاب في مسلسل قصير من إنتاج كولومبي وتشيلياني مشترك، يحمل العنوان الأصلي. النسخة التي أشرف عليها رودريغو غارسيا (ابن غابو) وأنجزها المخرج التشيلياني أندريس وود، بالتعاون مع مواطنه خوليو جوركويرا، فعالة إلى حدّ كبير حين يتعلّق الأمر بخلق قصة مشوقة، وهي قصة إنسانية أكثر منها سياسية نتتبع فيها مصير المختطفين، لكن بالتركيز على واحدة منهم بعينها: ماروخا باتشون. 

كما في النصّ، تنطلق أحداث المسلسل من اختطاف باتشون (كريستينا أومانيا). كانت المرأة هدفاً لعصابة المخدرات الإجرامية لأسباب عديدة: فهي مسؤولة في الدولة (كانت مديرة صندوق تطوير الأفلام، في الواقع)، وشقيقة زوجة زعيم الحزب الليبرالي الجديد لويس كارلوس غالان، الذي اغتيل قبلها بعامٍ واحد، وأقواها كان مرتبطاً بزوجها عضو الكونغرس ألبرتو فيلاميثار (خوان بابلو رابا)، أحد أقوى المدافعين عن تسليم بابلو إسكوبار وأتباعه لتجري محاكمتهم في الولايات المتحدة. 

لن يمرّ وقت طويل من الحلقة الأولى حتى تطالعنا جدارية تعلن بوضوح: "نحن نفضّل قبراً في كولومبيا على زنزانة في الولايات المتحدة"، الشعار الشهير لجماعة "Los Extraditables" التي أنشأها أباطرة المخدرات الكولومبيين في أوائل الثمانينيات لإعلان رفضهم مشروع الحكومة لتسليمهم. بعد ثوان من ظهور تلك الرسالة، تُختطف باتشون (وبياتريس، شقيقة زوجها ومساعدتها الشخصية) من قلب شوارع بوغوتا بعد منتصف ليل 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1990. 


إذاً، جاء اختطاف باتشون كجزء من خطة الرافضين للتسليم (بقيادة بابلو إسكوبار)، لمنع الحكومة الكولومبية من المصادقة على القانون إياه، وليقايض من خلالها ويتفاوض على شروط استسلامه وضمان عدم المساس بأسرته، وهي الأحداث التي يمكن متابعة لواحقها في مسلسل آخر شهير من إنتاج نتفليكس بعنوان "ناركوس". 

إذن، عملية الإنقاذ والتحرير هي إحدى ركائز "أخبار اختطاف"، لكن بالإضافة إلى استكشاف هذه المحنة، ستكشف القصة دراما ضحايا آخرين في خضم المحنة الكولومبية، بالابتعاد عن أنماط سرديات عصابات المخدرات واستكشاف الدراما الاجتماعية من خلال دمج العديد من القصص والشخصيات.

في الوقت الذي بدأ فيه بحثه أواخر العام 1993، أشار غارسيا ماركيز إلى أنه كان من المستحيل سرد قصة باتشون، من دون ربطها بالعنف الاجتماعي والفساد المؤسسي، وعلى وجه التحديد بموجة الاختطاف التي حدثت في ذلك الوقت. 

في تصديره للكتاب، يقول إنه بعدما قطع شوطاً في كتابة المسودة الأولى، انتبه إلى استحالة فصل عملية الاختطاف تلك عن العمليات التسع الأخرى التي جرت في الوقت نفسه في البلاد. والواقع أن "عمليات الاختطاف العشر لم تكن مختلفة، مثلما ظننا للوهلة الأولى، وإنما هي عملية اختطاف جماعية لعشرة أشخاص مختارين جيداً، نفّذتها الجماعة نفسها من أجل الهدف الوحيد نفسه. هذا الاكتشاف المتأخر اضطرنا إلى البدء مرة أخرى ببناء ونَفَسٍ مختلفين، حتى يكون لجميع الشخصيات هويتها المحددة جيداً وجوّها الخاص". 

التزم وود وشريكه بهذه القاعدة المؤسسة لسردية الكتاب. وهكذا، يكرّس المسلسل جزءاً كبيراً من كل حلقة لقصة مخطوف/ة أو شخصية أخرى ذات صلة بالسلطة ومفاعيل السياسة في كولومبيا، (وجميعهم تقريباً من النساء، بعكس الكتاب). 

الأكثر وضوحاً ومأساوية في هذا الصدد، هي ديانا تورباي ( الكولومبية ماجدة عيسى، ذات الأصول اللبنانية)، وهي صحافية وابنة رئيس سابق، وجاء اختطافها نتيجة عملية خداع من جانب الخاطفين وامتثال من جانبها لواجبها المهني والصحافي، فأمضت شهوراً في الغابة على تخوم بوغوتا حتى لاقت حتفها في النهاية بنيران صديقة أثناء محاولة فاشلة لتحريرها. 

الاختطاف هو الثيمة التي يربط بها المسلسل القصير شخصياته كلها إلى الجذر نفسه: النخبة السياسية والاقتصادية التقليدية، إلى جانب مهرّبي المخدرات وبقية المجتمع. في مقابلة مع صحيفة "إل تيمبو"، يقول الممثل خوان بابلو رابا إنها "كانت لحظة تاريخية خُطفنا فيها جميعاً. كولومبيا خُطفتْ". 

بالعودة إلى باتشون، تُرك الأمر لزوجها ألبرتو فيلاميثار لتولّي الكثير من التحقيقات والمفاوضات مع طرفي الصراع، الحكومة وتجّار المخدرات. بصفته محققاً مرتجلاً، لم يكن قادراً على إحراز تقدم كبير (غطّى تجار المخدرات آثارهم جيداً، كما نرى في الحلقات الأولى)، لكن الجميع (بمن فيهم الرئيس الكولومبي، وهو صديقه) عرف أن المهم هو قدرته البارعة على التفاوض، بغية الوصول إلى تسوية مع تجار المخدرات من شأنها السماح بالإفراج عن زوجته وأخته.

بقية الحلقات ستركّز على المفاوضات، وستطوّر الخلافات الداخلية لبعض المسؤولين عن رعاية ومراقبة النساء المخطوفات وستتضمن بعض ذكريات الماضي عن حياة باتشون فيلاميثار قبل الاختطاف. الغريب أن تلك القصة الرومانسية ستُدمج مع قصة فرعية أخرى لا تستحق الذكر ولا تظهر (إذا لم تخنّي الذاكرة) في الكتاب الأصلي. 

ما سيتركه المسلسل في الخلفية هو سياق سياسي أعمق للأحداث، يُختزل هنا في مفاوضات مرتبطة بتسليم مهرّبي المخدرات أو عدم تسليمهم، في حين تُهمل مسائل مُلحّة عديدة في ذلك الوقت.

هكذا، لا يتمكن "أخبار اختطاف" من الذهاب أبعد من مجرد إعادة سرد، مع بعض التعديلات الطفيفة، لما رواه كتاب ماركيز. لا يعني هذا التقليل منه. فلا وجود، مثلاً، لنقائص جسيمة في المصداقية (مع وجود فريق من الممثلين الكولومبيين يساعد كثيراً في التقاط التفاصيل)، واستخدام وتوظيف اللقطات الإخبارية الأرشيفية ناجح وفعّال أيضاً. لكنه يعطي على الدوام انطباعاً بأنه يفتقد شيئاً أكبر، الشيء الذي يبرّر نقل الكتاب إلى الشاشة. وتلك التوابل الإضافية لا تظهر أبداً.

على أي حال، كما أظهر في العديد من أفلامه، يتميّز أندريس وود بقدرته على سرد القصص الإنسانية المرتبطة بلحظات سياسية قوية من الماضي القريب. قد لا تتميّز أفلامه بالأصالة أو المخاطرة، لكنه صانع أفلام ذو يد ثابتة وراسخة، يحترم تلك المدرسة الكلاسيكية للإثارة السياسية في السبعينيات، والتي تضمّ مخرجين مثل آلان جيه باكولا أو كوستا غافراس. وهذه السلسلة الوحشية من عمليات الاختطاف التي حدثت في كولومبيا، أوائل التسعينيات، تناسب هذه الصيغة الفنية جيداً. لا إدهاش، ربما، إنما نقل مخلص بقدمين ثابتتين على الأرض.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها