image
السبت 2022/09/10

آخر تحديث: 14:14 (بيروت)

أطفال مُستغَلّون في مدارس الأسد: "لا للهجرة...نعم للجيش"!

السبت 2022/09/10 وليد بركسية
أطفال مُستغَلّون في مدارس الأسد: "لا للهجرة...نعم للجيش"!
increase حجم الخط decrease
"لا للهجرة.. نعم للجيش" هي عبارة لم يرددها التلفزيون السوري أو موالو الرئيس بشار الأسد في إحدى "المسيرات العفوية"، بل أتت من طفلين صغيرين في مدرسة ابتدائية، يقدمان مسرحية أمام زملائهما وأساتذتهما والمشرفين البعثيين، تزامناً مع العودة إلى المدارس، حيث تنتشر أساليب غسل الأدمغة منذ سن صغيرة فيما يتم تسييس التعليم واستخدام أساليب لتدجين الأفراد منذ نعومة أظفارهم وتلقينهم "طريقة التفكير الصحيح" كي يصبحوا مواطنين جيدين في سوريا الأسد.

محزن هو الفيديو، ليس فقط لأنه يظهر طفلَين لا يدركان حتى عن ماذا يدور الحديث، بل لأنه مشهد مكرر منذ عقود في دولة حيث يبدو الأمل في المستقبل معدوماً، ولم ينجح حتى حدث بحجم ثورة شعبية تحولت إلى حرب أهلية لاحقاً، في إحداث تغيير ولو بسيط لدى السلطة التي باتت أكثر التصاقاً بأساليبها القديمة في الحكم، مع التخلي عن واجباتها القليلة التي كانت تقوم بها قبل العام 2011، مع إلقاء اللوم في كل ما يحدث وسيحدث في البلاد على السوريين أنفسهم. ويظهر ذلك واضحاً في الفيديو حيث يرتدي أحد الطفلين يرتدي ملابس عسكرية ويوبخ الآخر الراغب في الهجرة "نحو العز والمال والجاه". يعترض الأول لأن الوطن سيصبح يتيماً، قبل أن يعتذر الثاني ويرتدي ملابس عسكرية بدوره ليحملا السلاح معاً ويرقصا بطريقة الشبيحة التقليدية التي ظهرت في مقاطع فيديو روّعت العالم خلال العقد الماضي.



والفيديو الذي انتشر بشكل واسع بين السوريين، صُوّر في إحدى المدارس السورية، هذا الأسبوع، في ما أطلق عليه النظام السوري تسمية "يوم الفرح" بالعودة للمدارس! وهي الحالة الوحيدة ربما التي يمكن فيها جمع كلمة الفرح مع المدارس السورية في جملة واحدة، لأن الإحساس بالفرح ضمن هذا السياق مستحيل فعلاً. فتلك المدارس تتحول، منذ إغلاق أبوابها الحديدية السوداء في تمام الساعة الثامنة صباحاً، إلى شيء يشابه أقبية المخابرات سيئة السمعة، عطفاً على أساليب العقاب التي يتبعها الأساتذة ضد التلاميذ، سواء عند تقصيرهم الدراسي أو عدم انضباطهم الأخلاقي الذي يوازي طرح أسئلة أو تعليقات بشأن التوجيهات الرسمية، وصولاً إلى مخالفة القوانين المدرسية المتعلقة باللباس الصارم، وليس انتهاء بالتعرض للقائد الخالد حافظ الأسد أو ابنه بشار من بعده، بطريقة أو بأخرى.

كيف يمكن الفرح بالتوجه إلى سجن ناعم وقضاء وقت في مبانٍ تم تصميمها بشكل ممنهج منذ ستينيات القرن الماضي، لتماثل تصميم السجون السورية تماماً، بنوافذها الضيقة المغلقة بقضبان حديدية، وأسوارها العالية التي توضع فوق بعضها شظايا الزجاج أو حواف معدنية لمنع التلاميذ من الهروب كي يقضوا ساعات طويلة في مساحات ضيقة لا يستطيعون فيها حتى الركض بحرية أو اللعب في الوقت القصير المخصص لذلك، بينما تراقبهم عينا القائد الخالد من الصور والتماثيل الخاصة به، في كل زاوية وجدار، مع قراءتهم للشعارات الأسدية المعلقة إلى جوارها؟

على أن تغليف ذلك البؤس كله باسم الفرح ليس عبثياً، فالنظام السوري يطرح نفسه في الدعاية الرسمية على أنه دولة حضارية تقوم بكل واجباتها، ويعمم فكرة مفادها أن كل ما يراه السوريون من حولهم من بؤس يشتكون منه هو أمر طبيعي يحصل في أنحاء العالم، وأنه بالتالي مستهدف عطفاً على مواقفه السياسية المعادية لـ"الغرب السفيه الفاجر". وفيما كان ذلك لينجح في سنوات الثمانينيات الظلامية عندما لم تكن هناك تلفزيون ولا إنترنت ولا إمكانية للمقارنة، فإنه اليوم يثير السخرية لا أكثر، حتى لو كانت سخرية مريرة وعاجزة.



والحال أن النظام السوري بكل هذه التصرفات يخالف اتفاقية حقوق الطفل التي وقع عليها العام 1989، والتي تنص على حق الطفل بالتعلم من دون استغلال، واحترام حرية الطفل وحقه في الحياة والنمو، حيث تظهر مقاطع الفيديو والصور المنتشرة هذا الأسبوع من صفحات الشعب "البعثية" في مختلف أنحاء سوريا، بوضوح، استغلال الأطفال لأغراض سياسية. كما أن العملية التعليمية ككل تعتبر عملية غسيل دماغ ممنهجة يقوم به نظام الأسد بحق الأطفال السوريين منذ نعومة اظفارهم، حيث يركز على الأطفال في المرحلة الابتدائية الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و10 سنوات.

ويمكن الاستدلال على القيم التي ينشرها النظام في المدارس بالنظر إلى تصريحات ياسر الشوفي، عضو القيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي ورئيس مكتب التربية والطلائع المركزي، العام الماضي عندما قال: "راية الطلائع ستبقى راية الطفولة في سوريا" و"راية الوطن ستبقى بأمان من خلال انتماء وهوية أطفال طلائع البعث"، مشيراً إلى قول بشار الأسد: "لا بعث بدون سوريا ولا سوريا بدون بعث"، علماً أن الشوفي كان حاضراً في احتفالات لحزب البعث منذ مطلع الشهر الجاري، حيث أقامت المنظمات البعثية الخاصة بالفئات السنية الصغيرة فعاليات في مدن متعددة تحت شعار بات دائم الحضور في السنوات الأخيرة: "أملنا بشار لنكمل المشوار"، بحسب صحيفة "البعث" الرسمية.

يعيد ذلك إلى الأذهان مسرحية إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري، العام 2011، والتي كانت تنص على أن حزب البعث هو الحزب الحاكم للدولة والمجتمع، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير فعلي على أرض الواقع، حيث بقيت الممارسات الحزبية مستمرة، وتحديداً في تجنيد الأطفال السوريين في المدارس وتنسيبهم قسرياً إلى صفوف الحزب، وليس فقط إلى منظماته الرديفة (طلائع البعث، شبيبة الثورة)، لكن تلك الممارسات طوال السنوات العشر الماضية تراجعت في سلم أولويات التغطية الرسمية، وعادت اليوم إلى صدارة المشهد الإعلامي.

والمدارس الأسدية لم تعد مخصصة فقط لتلقين الأطفال أفكاراً عامة عن القائد الخالد وحكمته مثلما كان الحال قبل 2011، بل بات النظام يستخدم المدارس لتقديم أفكاره حول القضايا الآنية الأكثر إلحاحاً مثل الهجرة التي يخصص لها وقتاً طويلاً سواء في التصريحات الحكومية أو القرارات الرسمية أو الدعاية الإعلامية. وتصبح المدارس حجر الأساس في ذلك كله لأنها تتعامل مع عقول صغيرة يمكن التأثير فيها بسهولة، مع صعوبة وصول معلومات بديلة لهم في بلد تنقطع فيه الكهرباء معظم ساعات النهار ولا تتوافر فيه اتصالات وإنترنت بجودة جيدة.

وفيما تصدق "القيادة الحكيمة" أن الترداد الببغائي ومظاهر الفرح القسري والكذب الممنهج، أساليب كافية لخلق مجتمع متجانس، فإن السوريين أثبتوا بثورتهم العام 2011 حماقة تلك المعادلة إلى حد كبير. وتعني هذه الغطرسة في التعامل مع الأفراد أن النظام لم يتعلم شيئاً من تجربته المريرة خلال السنوات العشر الماضية عندما كادت الثورة الشعبية تقتلعه من جذوره قبل تدخل روسيا وإيران إلى جانبه واستخدام القوة المفرطة وسياسة الأرض المحروقة، لتتحول البلاد إلى مكان ينتظر الانفجار التالي.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها