الأربعاء 2022/08/03

آخر تحديث: 16:17 (بيروت)

الذكرى والذاكرة...

الأربعاء 2022/08/03 نجلاء أبومرعي
الذكرى والذاكرة...
نجوى حايك تتحدث عن ابنتها لارا التي ما زالت في غيبوبة اثر إصابتها في انفجار المرفأ (غيتي)
increase حجم الخط decrease
تتجلى مقالات المناسبات بثقل، سواء كانت فَرِحة أم حزينة، جادّة أم مناسَبة لتمجيد اللهو. لا يأتي الكاتب إلى النص ولا تأتيه الكلمات بلا ارتباك الغرابة، وكأنه العيد حينما يحل على المعتلِّ باجتماع العائلة.

تحضر ذكرى 4 آب، ويتحاشى كثيرون منَّا الكتابة عما يتصل بها، تمامًا كما حاولنا طيلة العامين الماضيين إغماضَ العين أو إخفاءَ الوجه بالكامل في الكفّين إلى أن تنتهي ومضات المقاطع المصورة التي كَثُرَ تداولُها، ومنها ما استُغِلَّ في الحملات الإعلانية للمرشحين إلى الانتخابات النيابية.

قولٌ بلا مفردات ولا موسيقى. إنه القول الفادح.

هي ذكرى بوقع آنية الفاجعة. تحمل معها كل خصائص الفعل غير المكتمل. ذكرى غير ناجزة. حتى الأمس القريب، كان بعض الضحايا يرقد في سرير المرض، مصارعًا غيبوبة أو يلمُّ نزيفَ إصابات لا شفاء منها. مرة جديدة، ستُصَفُّ الكراسي جنبًا إلى جنب، تُحتضن صورٌ بإطارات لا تنبض، ومُقَلٌ كثيرة تحجّرت رغم جمرها.

سقطَ عن الحداد وقتُه ولونه، ولم يسقط. لا مكان للذكرى طالما أن الحداد قائم، وأهل القتيل هائمون على وجوههم بحثًا عن القَصاص. لا مكان لها طالما أن صوت القاتل يطأ قلوب الجمع، يبتسم بعد عامين ويختال في ظنِّه، حرٌّ أنا...حرُّ.

أما نحن... فسندفن الدمعة في كلمة. سنتماهى مع الأمهات، ونضمُّ صوراً لعيون أغمضت باكراً. سنعلي الصوتَ: دعوا مسرح جريمتكم، حتى لو أشعلتم النار فيه، دعوه مشتعلًا، علَّها نار تأتي عليكم قبل قصاص تخبئونه في جيوبكم.

نكتب أو لا نكتب، ليس لذلك أي معنى في ذي بال. سنلوذ بالإنكار تارة، وبنحيب ممجوج عن تروما لم نخرج منها تارة أخرى. ما يعنينا، أو هكذا ندعي، أننا لا نريد مواجهة مع صورة مكررة عن الموت الذي تجلى على شكل دوائر من كل الألوان دفعة واحدة في سمائنا. ولشدة هذا الادعاء أصبحنا نصدق قدرتنا على تحقيق ذلك.

نحن أصحاب سذاجة لا توصف. ما زلنا نعتقد أن في قعر العالم قطرة من لطف ومسامحة لمنحنا عطفاً ودرايةً وأخذاً بأمانينا برعاية الأقدار. فيكون لنا الإنكار هدية على شكل راحة بال أو طمأنينة ملفوفة بطبقات من سكّر. نظن أننا سنتمكن من إخفاء الوجه برهة، بعدها نرفع أيدينا، نكشف عن بسمات لا تعد ولا تحصى، وادعاءات لا حصر لها عن تماسك وتمسك بجولات متتالية إلى أن ننتصر بالعدالة. وكيف تكون هذه؟ كيف تكون هذه العدالة؟ بحكم بلا عقوبة؟ بقرار ظني بلا إدانة؟

العالم موحش ولن يحمل إلا أسوأ ما في الخبايا... متى نتوقف عن الأمل الزائف؟ متى ندرك أن كل أُمنية مقبرتها جاهزة، حتى قبل أن تستدير بها الحنجرة.

وهكذا كان...
سقوط الصومعتين قبل اكتمال السنوية الثانية، هو الواقعة الأكثر طبيعية. سقوط تُسدد به فاتورة الملهاة الكبرى. سقوط تعويذة التحصين من رؤية الانفجار مجدداً. لا حصانة للسذّج.

هذا السقوط، الذي لا مفرَّ منه، يجيب عن جدوى التمسك بالصوامع كشاهد وإدانة منتصبة لجرم فاعله معلوم لكن يُنسب للمجهول. الإجابة تحضر إلينا من غير سؤال.

لا جدوى من الدفاع عن عدم العبث بمسرح الجريمة، فيما سياسة كف اليد مكرسة. المناشدات لإبقاء الصوامع نصبًا لذكرى جرح ما زال مفتوحاً، هدرٌ... فالأنصاب إحياء لذكرى؟! وما الذي ستزيده هنا من إحياء لما هو حيٌّ أصلًا، لما لم يلتئم بعد؟ الأنصاب تنتصب لذاكرة جمعية، لرواية متفق عليها، لعدالة منجزة...؟! هنا، تعلو إلى السماء لتقول خلاف ذلك في التجليات والجوهر... إن بقيَت، بأي حال من الأحوال وعلى غير المتوقع، ستنتصب شاهدة على انقسامنا بين قتلى ومقتولين، مجرمين وضحايا. بانتصاب الصوامع أو غيابها، لهم ذاكرتهم... ولنا أكثر من ذاكرة...

ذاكرة الإدانة، وذاكرة العدالة غير المنطوقة وتلك التي تكبر بحجم نقمة في القلب.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها