image
الأربعاء 2022/08/24

آخر تحديث: 13:05 (بيروت)

خزانة واحدة لا تكفي

الأربعاء 2022/08/24 نسرين النقوزي
خزانة واحدة لا تكفي
(غيتي)
increase حجم الخط decrease
خزانة ملابس واحدة، أبداً لا تكفي. أريد الرحيل مجدداً وأنا على مشاريف الخمسين. لا أعرف ماذا أفعل بخزائني الأربع.

أنا امرأة كثيرة الترحال. تنقّلت حتى اليوم بين مدن ثلاث، في قارات مختلفة. وفي كل مرة، كنت أحمل خزانة إضافية على ظهري وأمضي، أحملها من دون تخطيط أو تفكير. إنها حصّالة عمر، تجارب، ألوان وكوابيس.

قررت هذه المرة أن أطير من دونها، خفيفة، متفائلة. فلطالما شكّلت هذه الخزائن عبئاً عليّ أينما حللت. تبعدني عن أي مكان جديد. لغتها الخاصة لا يفقهها غيري. أعيش داخلها عندما يضيق بي الزمن. عندما أنسى من أكون، في آخر بقاع الأرض، هي كل ما أملك. سأودعها وأتحرر.

فتحت الخزانة الأولى: ثياب اشتريتها منذ ما قبل الجامعة، الكثير من الشورتات والفساتين القصيرة والقمصان المزركشة بلا أكمام. ثياب لمراهقة تثيرها فكرة الانتقال من بيت ذويها إلى بيت مستقل. مراهقة تحمل كل ألوان أحلام من لا يعرف الحياة. أحلام يسري فيها نبض الشارع والتظاهرات والناس. أحلام تليق بها هذه الألوان. مراهقة طائشة لا تعرف أن الدم يصبح باهتاً مع العمر، كلَون هذه القمصان التي حافظتُ عليها أكثر من عشرين عاماً.

أنتقل إلى الخزانة الثانية: ثياب شهر العسل، الكثير من الثياب الداخلية، ساتان أحمر وأسود، ضيقة كي تلائم وتبرز جمال جسمي، وقتها. أتذكر كيف اتبعت نظاماً غذائياً صارماً قبل الزواج بستة أشهر كي أنقص قليلاً من وزني وأكون أكثر إثارة. اشتريت العديد من الألبسة السيكسي كما نصحتني صديقاتي. لم أرتدِ منها إلا رُبعها؛ فلقد حملتُ بعد شهر من زواجي. أشكر الله أن ذوقي وقتها كان مقبولاً نسبياً. لم أشترِ السراويل الداخلية التي يتوسطها قلب مفتوح من الوسط أو فراشة فوسفورية تضيء في عتم ليل الزوجية غير المفهوم. نعم، سأعترف، اشتريتُ سروالاً داخلياً واحداً مع ريش يطيّر العقل. ما زال رابضاً مع أخواته في عش من الغبار. في الداخل.

الخزانة الثالثة نصف مفتوحة دائماً: تحتوي كل فساتين وبناطيل الحَمْل. اكتسبتُ الكثير من الوزن أثناء حملي، بالرغم من تقيؤي الدائم. قماش هذه الفساتين رخيص الثمن. لم أكن أهتم بشراء ما يناسب ذوقي في تلك الفترة، والكثير من تلك الملابس استعرتها من أختي الكبرى. لا مال كان لدي وقتها أنفقه على حالة بين حالتين. فلم أكن قد أصبحتُ أمّاً بعد، ولا عدتُ عروس شهر العسل. أستغرب من النساء اللواتي يعشن كل مرحلة كأنهن خلقن فقط ليَحيينها. وأنا أحاول الهروب من كل مراحل الحياة الآنية باستمرار. ألم أقل إني امرأة كثيرة الترحال؟!

الخزانة الرابعة مفتوحة على مصراعيها: فارغة. درفتاها تفتحان وتغلقان حسب الهواء والعواصف. يمر شريط حياتي بالأسود والأبيض داخلها. تتحول إلى آلة إسقاط وإحياء لحواسي العشر. صوت أم كلثوم وبعض الرّاي الجزائري يصدح منها. أرى صوري أحبو على بلاط المطبخ. أتشمم روائح الحي ككلبة صيد ماهرة. أتذكر كيف ضاجعت رجلاً نسيت اسمه وأنا سكرانة.

صوت أستاذ الكيمياء موبخاً، يرنّ في أذني. الراهبة المسؤولة وأنا في سن المراهقة، تنظر إلي بقسوة لأني أفلتّ شعري هذا النهار. صديقتي أرسلت لي رسالة بأن أتوقف عن الظنّ أني محور الكون. زوجي بات يكره طعامي. أضيف الملح بلا توقف. أتذكر وجوه أطفالي يقولون أني أمٌّ سيئة لأني نسيت تواريخ ميلادهم. أمي وأبي لم يضرباني طوال حياتي. أربّت على الخزانة وأغضب لأنهما لم يحبّاني كما يجب.

أعيد ترتيب الخزائن بطريقة عشوائية. أخلط محتوياتها بلا منطق معين. أضع المقاس الصغير المزركش، مع الكبير جداً الرمادي. أضع الساتان المثير مع بنطلون ما بعد الولادة المهلهل. وأفكر.. لماذا نتعلق، نحن النساء، بقطعة قماش إلى هذا الحد؟! لماذا نحتفظ بفساتين من الطفولة والمراهقة وكل مرحلة من حياتنا، رغم أننا لن نرتديها بعد اليوم؟ أو سنرتديها في أحلامنا، ربما! لماذا نثقل أجسادنا بأكثر من ورقة توت؟ لماذا نخشى أن نفقد الأمل أو الذاكرة بأننا يوماً كنا بهذا الحجم وهذا الشكل وهذا الملبس؟ وذوقنا كان هكذا؟ لماذا نحافظ على قوالب لم تعد تسعنا ولا نقنع بما نحن عليه، الآن؟

لا قيمة عاطفية للثياب، كل ما لا تستخدمينه يجب أن يُحرق أو يُمزق، صاح عقلي الذكوري.

من الجميل أن نظلّ نطارد الأشياء من دون الوصول إليها. فالوصول يعني الموت، لذلك يسعی المرء إلی نزع الثّوب القديم لأنّه صار حقيقة... يكمل عقلي بإقناعي، مع كورس من الرجال يرددون بأنهم مختلفون، إذ لن يثقلوا أجسادهم بأكثر مما يغطيهم ولن يحتفظوا إلا بالقليل، القليل جداً. لن يحتفظوا بأكثر من شال عليه رائحة الحبيبة الأولى، أو معطف قديم غالي الثمن. أما هوس الاحتفاظ بكل قطعة قماش على أنها قطعة حية مكونة من جلودنا، دواخلنا، خارجنا، فهذا كله محض هراء.

تدور الأفكار وأدور حولها. داخلها. خارجها. تخفت الموسيقى طويلاً، ثم تصدح مجدداً.

أغلق الخزائن الأربع بقفل حديدي قوي. أبتلع مفتاحه الصغير، وأمضي كعادتي عارية، من الواقع. مع الكثير من الذكريات بألوان مزركشة، من الساتان الأحمر أو الأسود أو من قماش رخيص. لا يهم! المهم أن أتعلم هضم المعادن الثقيلة كي أتخلص من عبء الخزائن الأربع وأبدأ من جديد، في حياة أخرى، ربما.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها