image
الإثنين 2022/08/22

آخر تحديث: 12:18 (بيروت)

الماء المفقود ميزان صحتنا النفسية

الإثنين 2022/08/22 نجلاء أبومرعي
الماء المفقود ميزان صحتنا النفسية
(غيتي)
increase حجم الخط decrease
تعلمنا أن نرسم الكرة الأرضية ونكثر من اللون الأزرق، لإظهار سمائها ومائها. ومنا مَن استمتع مرارًا بوضع مجسم الكرة الأرضية في يده ليديرها بسرعة مجنونة ويرى ما سيضمحل منها، أي لون سيبهت، وأي لون سيطغى. وضحك بعضنا إلى أن طاف الدمع من عينيه وهو يفكر، أنه كلما أسرع في لفّها، زادت من دورانها ونفَرَ الماءَ منها إلى الفضاء الواسع. ربما هكذا ينير الفضاء الغارق في عتمته كما يبدو لنا من بعيد، غافلين عن كواكبه وأقماره ونجومه.

إن لذلك فوائد كبيرة، كنا نسعى إليها من دون إدراك. كل دورة تأخذنا إلى ما هو أبعد من مخاوفنا، وكانت كثيرة. في زرقة الكوكب ورحلاته المتخيلة، راحة وملجأ.

يُنسب إلى الماء اللونُ الأزرقُ، وغيره من الألوان، بحسب خيال الكاتب أو الرسام. جعل العالِم من شفافيته لونًا. لم يبقَ أحدٌ لم ينشغل بحكاية الماء الذي كلما حضر، خبأ العطشَ بيده الخفية.

حكايا العالم كثيرة، عن بداياته ونهاياته، وحروبه... النووي والنفط والممرات المائية، وحروب متعددة باسم التجارة والاقتصاد والحرية... وقريبًا حرب الجفاف والصحة النفسية. وهذه الحرب، سيعلنها ويخوضها "السيد جون سميث".

فقد حلّ الصيف في بريطانيا هذا العام، ضيفًا ذا حضور مزدوج، ممتعًا لندرته، ومدهشًا لغرابته. حار البريطانيون المتمرسون في اعتماد السؤال عن الطقس، بديلًا عن كل الأحاديث وفاتحها في الوقت نفسه، بين الرغبة في الاستمتاع على أرضهم بما يقطعون مسافات خارج جزيرتهم للغبّ منه، طقسًا مشمسًا حارًا، وبين التعامل مع نوبات الذعر بالخطط المدروسة والروية.

كثرت التحذيرات وتعاظمت التنبيهات. وصلنا إلى قواعد استخدام خراطيم المياه، بعدما شهدت مناطق عديدة، ومنها لندن، انقطاعًا للتيار الكهربائي، وشحًا في المياه. ويزداد احتمال تكرار حدوث ذلك.

يحق للبريطانيين الهلع. فشهر آب لم يجلب معه مَطرَه المعتاد. لا تشمل التقاليد والأعراف البريطانية صلاة الاستسقاء، كما هو معلوم، ويبقى أن المخاوف من الجفاف متعاظمة، والرغبة في المطر عارمة، وما لم يهطل لفترة طويلة نسبيًا، فالماء سينزل التربة كما لو أنه يطرق سطح الإسفلت بلا بلل.

إن لم تهتز ثقة "السيد جون سميث" بقدرة الأجهزة المتخصصة، العلمية والصحية وغيرها من الأجهزة منذ جائحة كورونا وفضائح بوريس جونسون، فالآن من حقّه أن يقلق. وحريٌّ به على الأرجح، البدء بمناورات التكيف مع شح المياه، ومن حقه أن يجزع لناحية قدرته على التأقلم، فمهاراته تكاد تكون معدومة أمام المهاجرين، إلا لو كان ممن ما زالوا على قيد الحياة، من جيل الحرب العالمية الثانية.

أفكر في "جون سميث" وهو يستحم استعدادًا ليوم نشيط ومثمر في العمل، يَحسب تحت ضغط الماء الفاتر صباحًا مناوراته مع الزملاء، يقلب في رأسه استراتيجياته للانقضاض على هذا وذاك في القسم المنافس، ويصمم مشهد الخروج مع بعضهم للاحتفاء بانتصاراته الصغيرة بعد الساعة الخامسة عصراً، ضاربًا معهم النخب تلو الآخر، إلى أن يتهاوى... أفكر به وقد انقطع الماء الدالف من رأسه حتى أخمص قدميه. اغتسال لم يكتمل، والصابون لا يزال عالقًا في خصلات شعره، ورغوة المتع ستنشف على جسمه خلال وقت قصير جدًا ما لم يبادر إلى مسحه بالمنشفة. إنه يخطو الخطوة الأولى في رحلة مع جفاف البشرة في مستقبله القريب، من دون دراية.

مسكين جون... ليس لديه مما حملناه معنا في حقائبنا، حينما خرجنا من مدن تستنير وتحيا بقليل من الكهرباء والماء أو تعيش من دونهما معًا.

ما لم يتعلم جون الاستحمام بثلاث كيلات، إن كان محظوظاً، ففرصه في الحفاظ على "نظافة معقولة" قليلة جدًا. وبشرته مرشّحة لتصبح خشنة الملمس، خيوط بيضاء ستشق طريقها في جلده وفي مزاجه، وسينقلب حاله كلما لمحها وهو يرتدي جوربه.

ستتوالى النصائح على جون، لتنبيهه إلى أساليب ترشيد استهلاك المياه. لكن أحدًا لن يخبره كيف يستخدم الكيلة الأولى من الماء، ويسكبها بتأنّي ودقّة مُحاسِب، قطرة بعدها قطرة، إلى أن يسقي جسمه بالكامل ويصبح جاهزًا لرغوة صابون لا يكثر منه، كي يصبح الاغتسال بكيلتين ممكنًا. ربما على جون مصاحبة أصدقاء من بيروت أو غزة. سيخبرونه أكثر بكثير من المرشدين الذين سيتزايدون ويغرقون مسمعه بالمواعظ. سيحدثونه عن وجوب إقامة تباعد لمسار الاستحمام عن مسار التفكير المسترسل بحثًا عن "أوريكا" خاصة به، وأن عشر دقائق وقت أكثر من كاف لإنجاز المهمة تقنيًا، وأن عليه استبدال لجوئه المتكرر إلى الماء سبيلًا لتهدئة أفكاره المضطربة، بعادة أخرى... لو وجد نفسه في لحظة ما تحت سطوة فكرة، أو ملأته حمأة غضب في لحظة انفعال في منزله لن يستطيع قطعها بالهرع إلى دور من "دوش سريع" يزيل عنه لهيب الداخل. سيكون جون أمام اختبار يستبدل فيه كل إرشادات التهدئة بالماء، بخطوات أخرى قد تضيف عليه عبئا نفسيًا لا حمل له عليه أو قدرة إزاءه.

لا يعرف جون معنى أن تفتح حنفية الماء صباحًا وتجدها سائلة كما لو أن العالم يدور بلا مصائب. وهو لا يعي دهشتنا اليومية التي نخبئها، عن حتى شركائنا الذين عاشوا نداءات الماء مثلنا، بالماء الساخن يأتينا في غير وقت، قبل الثانية عشرة وبعدها، قبل الثالثة، قبل السادسة قبل الثانية عشرة ليلًا وبعدها. لا أعرف كيف سيكون وضع جون النفسي لو اختبر ذلك، لو أصبح يميز بين رائحة عرق الصباح والظهر والمساء. قد لا يكترث لذلك إطلاقًا، فهو يشمّ في قطار الأنفاق رائحة الملايين ممن لا يغتسلون صباحًا، لكنه ربما سيبحث مليّاً ويجد جوابًا عن سر إيصال الماء إلى المنازل عند منتصف الليل أو الثالثة فجرًا حينما لا تكون هناك كهرباء لتشغيل محرك سحب الماء لملء الخزانات الإضافية على السطح أو فوق "التتخيتة"... آه جون، هذا لا يحدث في لندن... هنا بيروت، هنا غزة، هنا مخيمات اللجوء، هنا الماء المفقود.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها