الثلاثاء 2022/08/02

آخر تحديث: 14:42 (بيروت)

مثل "روبن" بجانب "باتمان"..الظواهري الذي عاش ومات رجلاً ثانياً

الثلاثاء 2022/08/02 وليد بركسية
مثل "روبن" بجانب "باتمان"..الظواهري الذي عاش ومات رجلاً ثانياً
increase حجم الخط decrease
ربما يكون تنظيم "داعش" أشهر من تنظيم "القاعدة" الذي انبثق عنه، في مجال الدعاية الجهادية والانتشار الإعلامي والاهتمام بالإنترنت، لكن جذور الاهتمام بـ"الجهاد الإعلامي" ترجع إلى خطبة مشهورة لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري في العام 2007.


الظواهري الذي قتل أخيراً في أفغانستان بطائرة أميركية من دون طيار، كان في العام 2007 ألقى كلمة حملت عنوان "كلمة إلى رجال الإعلام الجهادي" خلال لقاء مع "مؤسسة السحاب" التابعة لـ"القاعدة"، لخصها الظواهري (71 عاماً) حينها بعبارة: "نحن في معركة وأكثر من نصفها يدور في ساحات الإعلام"، وتبنّاها "داعش" لاحقاً لتصدير أفكاره الدموية التي مفادها أن "الحرب ضد الكفار تعني دائماً الموت للآخرين"، كنقطة جذب وحيدة لتجنيد المقاتلين من حول العالم.

وفيما عاش إعلام "القاعدة" طوال سنوات في ظل المنتديات الإلكترونية والمدونات الأقرب للعمل السري، حتى لو اتخذ طابع العلنية في الشبكة، بشكل متفرقات إعلامية لا يجمعها المكان أو الزمان، فإن "داعش" طور تلك الرؤية لاحقاً مع الزخم الذي وفره الإنترنت، ليخلق استراتيجية إعلامية استند فيها إلى برامج تلفزيون الواقع، وتحديداً برنامج "Survivor" الذي عرضته قنوات أميركية منذ العام 2000، واستلهم منه "داعش" طريقة الإخراج المبالغ فيها والتي تتمحور حول "البقاء" وتعزيز هذه الفكرة بصرياً.

ويكاد المرء يعتقد للحظة أن الظواهري قُتل منذ زمن طويل. فالرجل، رغم خطورته وأهميته ضمن شبكات الجهاد العالمية، كان قابعاً في ظل الزعيم الجهادي السابق أسامة بن لادن، الذي تمحورت دعاية "القاعدة" حوله طوال سنوات، حتى بعد وفاته، بعكس دعاية "داعش". فبين العامين 2001 و2011 أصدر تنظيم "القاعدة" ما لا يقل عن 30 مقطع فيديو أو تسجيل صوتي لبن لادن، رسم كل منها مرحلة أو نقطة مفصلية في تطور التنظيم. في حين أن البغدادي لم يظهر في أي مقطع فيديو، باستثناء مقطع إعلان الخلافة في مسجد النوري في الموصل العام 2014، ومقطع آخر العام 2019 لنفي شائعات مقتله حينها، إضافة إلى خمس مقاطع صوتيه قصيرة.

أما أول ظهور إعلامي للظواهري فكان بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، عبر شريط فيديو ظهر فيه إلى جانب بن لادن، والمتحدث الرسمي السابق باسم "القاعدة" سليمان أبو غيث، بثته قناة "الجزيرة" عقب بدء الضربات العسكرية الأميركية على أفغانستان، ووجه فيه دعوة إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة حتى تخرج من المنطقة العربية وتوقف دعمها لإسرائيل كي لا تتحول فلسطين إلى "أندلس جديدة"!

وبعد مقتل بن لادن في غارة أبوتاباد العام 2011، كان الظواهري هو الزعيم القابع في ظل سلفه ويقود تنظيماً متهالكاً ومشتتاً ويواجه تحديات ضمن عالم الجهاديين نفسه، بسبب الانشقاقات الداخلية وظهور تنظيمات أنجح في تحقيق أهداف "الجهاد العالمي". وبين الحين والآخر، كان الظواهري يخرج إلى المشهد الإعلامي في تسجيلات مصورة أو مسجلة أو عبر بيانات مكتوبة، ليعلق على الأحداث في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.

حضور الظواهري الدائم لم يخلّف سوى أثر باهت، لأن دعاية "القاعدة" ظلت منذ تأسيسها مرتبطة بشخص بن لادن ومكانته الرمزية ضمن التيارات الجهادية عموماً. ورغم أن الظواهري كان إلى جانبه دائماً، فإنه لم يكن أكثر من الرجل الثاني، مثل "روبن" إلى جانب "باتمان".

ويرجع ذلك إلى أن بن لادن لعب دور الشخصية الرمزية للتنظيم، والرئيس المسؤول عن التجنيد وبعث التنظيم، في كل انتكاسة يتعرض لها، لتأمين بقائه لسنوات، إلى جانب وضعه أيضاً استراتيجيات واسعة للتنظيم يعتمد معظمها على ملفه الشخصي وشخصيته واسمه ووضعه داخل الحركة الجهادية العالمية للضغط على الجماعات المرتبطة بالتنظيم في أماكن بعيدة من أجل اتباع توجيهاته كقائد ميداني وزعيم أيديولوجي/ديني في وقت واحد.

وخلال قيادة الظواهري لـ"القاعدة"، بقيت دعايتها مرتبطة بإرث بن لادن واسمه، بما في ذلك خُطَب الظواهري نفسها. على سبيل المثال، بعد مقتل بن لادن، أصدر الظواهري بياناً توعد فيه الأميركيين بأن "أسامة بن لادن سيستمر في ترويع الولايات المتحدة حتى من داخل قبره لأنها تواجه أمة منتفضة جهادياً تتحداها حيث كانت". ولخصت تلك الكلمة كل الاستراتيجية الدعائية لـ"القاعدة" بعد بن لادن. وحتى اليوم مازال "القاعدة" يستخدم صور بن لادن في إصداراته الجديدة، ما يؤكد أن بن لادن سيُعرف دائماً باسم الرجل الذي أخذ الإسلام الراديكالي العنيف ونشره في أنحاء العالم، أما الظواهري فلن يذكر سوى بأنه كان مرافقاً لذلك الرجل في رحلته تلك.

ويعني ذلك أن بن لادن كان زعيماً أيديولوجياً وأكثر من مجرد قائد ميداني لتنظيم جهادي، وعندما قتلته القوات الأميركية العام 2011، شكّل ذلك نكسة كبيرة للحركات الجهادية العالمية التي تطلعت إليه دائماً للحصول على المشورة والتوجيهات. كما أن مقتله مزّق تنظيم "القاعدة" الذي كان في ذلك الوقت يتألف في معظمه من مجموعات منشقة مختلفة، كانت مترابطة إسمياً بشكل أو بآخر، بسبب شخص بن لادن. بعكس ذلك، لن يفتت مقتل الظواهري "القاعدة" أكثر مما هي مفتتة أصلاً.

وخلال قيادة الظواهري لـ"القاعدة"، شهد التنظيم محاولة لخلق صورة جديدة له "أكثر عصرية"، تبتعد عن تقديم "القاعدة" والمجموعات المرتبطة بها مثل "جبهة النصرة" في سوريا، كخطر إرهابي دولي، بالاعتماد على رسم صورة براقة إنسانية مشرقة لها ولأعضائها بحيث يصبح الجهاد "تجربة روحية" يكون فيها الجهاديون "أبطالاً".

لكن هذه الصفات الجديدة لا تنسب إلى الظواهري نفسه، بقدر ما هي خصائص مُلحّة وطارئة لم تكن لتظهر لولا إعلام "داعش" الذي قلب موازين المعادلة الجهادية عالمياً، حيث أدى نجاح "داعش" في إقامة خلافته بين سوريا والعراق، ثم نوعية إعلامه المتطورة، إلى إحداث نقلات نوعية موازية في إعلام "القاعدة" وفروعها، وبات "داعش" بذلك العدو الأول للقاعدة باعتباره "الابن الضال" الذي تفوق على الأب، وهو ما يلاحظ بوضوح في مجلة "انبعاث" الصادرة عن "القاعدة" منذ العام 2014.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها