image
الجمعة 2022/08/19

آخر تحديث: 13:58 (بيروت)

أجسامهن

الجمعة 2022/08/19 رولا الحسين
أجسامهن
(الصورة للفنانة الإيرانية شيرين نشأت)
increase حجم الخط decrease
أحدق كثيرًا في النساء: مَشيتَهنّ، كيف يحملن سجائرهن بين أصابعهن وينقلونها إلى شفاههن، طريقة وضع ساقٍ فوق أخرى، ما تظهره ملابسهن وما تخفيه، كيف يتحركن وكأن كاميرا تحدق فيهن طيلة الوقت. يمكنني التكهن بالكثير عن يومياتهن وخصالهن من خلال مراقبتي لهن. تلك كانت مشغولة جداً، فنسيت إزالة بقايا الطلاء عن أظافرها، أو هي، ببساطة، لا تبالي. وهذه لا تأبه بتغطية الشيب الذي غزا شعرها لأن انتشاره لا يوحي بأنها أخذت موعداً قريباً لتغطية جذوره. والأخرى حلمت طويلاً بالشفاه التي حصلت عليها مؤخراً، والتي تشبه كل الشفاه الطارئة. وأخرى تبحث عن الشمس في كل مناسبة. وتلك تمضي وقتاً طويلاً في ممارسة الرياضة، وهذه الأخيرة منهكة، وجل ما تريده أن تجلس بدهونها المتراكمة.

وهناك امرأة، ما أتكهنه عن يومياتها وخصالها، لا تظهره، بل تخفيه. أتكل في التخمين على ما تخفيه، لا ما تظهره.

أعرف أن ساقيها لم تتعرضا للشمس، ولم يتنفس الهواء في مسامات جلدها، ولا غمرت مياه البحر وملحه قدميها مؤخراً. ولأن جسدها غريب منذ زمن عن أشعة الشمس والهواء، ورذاذ البحر ومياهه، فهو جسد مشتاق. جسد يعرف الرغبة لأنه يتذكرها، لكن المتعة بعيدة المنال.

جسدها داخل العباءة السوداء يستولي على كامل المساحة التي يتيحها له القماش. المساحة تلك هي امتداد لجسدها الذي يتحرك بحماية حدود القماش. جسدها استغنى عن المساحة خارج القماش، واستعاض عنها بالمساحة داخله. وفي هذا الاستغناء، يتحرك الجسد وفق معايير مختلفة: معايير الداخل لا الخارج. الداخل حيث لا رقيب ولا جمهور ولا مقارنة... حيث لا معايير ولا شمس ولا هواء ولا بحر. قد يعيق احتكاك القماش بالعوامل الخارجية، حركتها، إنما لن يعيق حركة جسدها داخله. يتخبط كيفما يريد. عندما ترتدي العباءة-الغطاء تصبح كتلة واحدة. تتحرك وتنتقل من دون أن تمشي. العضل المطلوب للمشي يفقد ضرورته. العباءة تحركها كأنها في parade تقف على ظهر آلية مكشوفة تتحرك بها. لكنها، في عباءتها، لا تلوح للجماهير.

لا أحد يعرف ما يحصل في تلك المساحة، ما يجعلها تلعب أو تتحرك في أرضها.
لكنها هي نفسها لا تعرف حدود جسدها الحقيقية، إلا عندما تتخلى عن غطائه في غرفتها وأمام مرآتها، حيث يتواجه الجسد مع شوقه وتبدأ رحلة انتظاره.
أسأل نفسي مَن يقف أمام المرآة أكثر: أنا أم هي؟

أنا لا أنظر في المرآة كثيراً. أفضل أن أتخيل وجهي وأنا أنظر إلى باقي أجزائي، حيث النظر والأجزاء متاحة وموجودة معي دائمًا، وليس حصرًا في غرفتي. وأتوقع أنها تنظر في المرآة أكثر مني. فهي تمضي خارج الغرفة ما يكفي من الوقت، متخيلة، ليس وجهها وحده، بل جسدها كله. وعندما تكشف عن جسدها، لا بد أنها تكون في شوق للنظر إليه لتستعيد ذكراه وتلمس حدوده الحقيقية، ولتتعرف وتعيد تأهيله أمام المرآة ومن خلالها وأمام عينيها. ستحتاج إلى مختبر صغير في غرفتها يقلد لها أشعة الشمس والهواء والمطر والبحر. البحر سيكون الأصعب، فبإمكانها دائماً أن تطل برأسها في الليل من النافذة فيما السماء تمطر، وستمد يدها لتدخل الشمس من مسامها إلى روحها. أما البحر فلا يمكن لحوض الاستحمام تقليد أي من متعه، وهي تعلم ذلك، فتلجأ للذكرى أو ما بقي منها وما تحول منها إلى رغبة.

وهي أمام المرآة تخضع جسدها لمعايير وعيون ومقارنات الخارج. المعايير التي انعدمت داخل العباءة تحضر أمام عريها في المرآة.

أتكهن بهذا كله وأنا أنظر إلى ما تغطيه. لكن، إذا أردت أن أرى ارتباكها، سيتحتم علي النظر في وجهها صاحب الجسد المغطى. فالوجه مكشوف ولا قماش يحميه من عينيّ ومعاييري، على عكس جسدها المغطى. وعندما تكشف نفسها أمام مرآتها، أمام عينيها ونظراتها، تبدأ رحلة ارتباكها الكاملة على جمهورها الوحيد: نفسها.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها