image
الخميس 2022/08/11

آخر تحديث: 13:41 (بيروت)

حينما خجِلَت الفتاة واختفى القمر

الخميس 2022/08/11 نسرين النقوزي
حينما خجِلَت الفتاة واختفى القمر
ظاهرة Aurora Borealis في سماء ألاسكا (غيتي)
increase حجم الخط decrease
في فيديو ترويجي مما يظهر لكل مستخدمي فايسبوك، أب أجنبي يأكل في مطعم مع ابنتيه العشرينيتين. فجأة ينادي الأب ،النادل الشاب الوسيم مفتول العضلات، ويقول له أن ابنته (مشيراً إليها) معجبة به. يبتسم النادل، ابتسامة عريضة. يضحك الأب وأخت الفتاة. لكن الفتاة المعجبة تخجل كثيراً. تعاتب أباها كيف أنه أحرجها. تنزل بعدها تحت الطاولة من الخفر وهي تصرخ وتعاتب: دادي دادي ماذا فعلت!.. وجدت المشهد لذيذاً نسبياً، عن أب أراد أن يمازح ابنته في جو من الألفة، أو أراد أن يساعدها على لفت نظر النادل الوسيم.

ننتقل من هذا المشهد إلى تعليقات المشاهدين والمشاهدات العرب على هذا التصرف، وهو تشريح اجتماعي واضح، على كل المهتمين بعلم الاجتماع الحديث الانتباه إليه كعيّنة جاهزة لدراسة ظواهر المجتمع العربي الذي نتحدث عنه دائماً باعتباره فاسداً، من دون دراسته أو تقديم حلول واقعية لتطوره. فنجد أحدهم يقول: "ذكرني هذا الموقف بما قيل من طرائف العرب، أن رأى شاعر فتاة أهمل أبوها سترها، وكان صاحباً له، فطلب منه والدها متفاخراً بجمالها: هلا قلت فيها شِعراً؟ فقال بلى فأسمعه: فُقتِ الغزالة في جميعِ صِفاتها/ فتجمَّعت كل المحاسن فيكِ/ لكِ جيدُها وعيونُها ونفارُها/ أما القرونُ فإنها لأبيكِ".

إذن بعض العرب رأوا في هذا الموقف، أن الأب لم يصُن عرض ابنته ولا طولها، ورسموا له قروناً وذيلاً استعاروها من مكان ما مخبأ في عقلهم. إنه تراث العقل الجمعي. يعتبر العرب الإناث مجرد ممتلكات شخصية للذكور، التنازل عن صونها تفريط في الشرف (الكلمة غير مفهومة المعنى) والكرامة، وهذا هو أساس المشكلة. مَن يمتلك مَن؟ وهل يحق لجنس امتلاك جنس؟ وماذا تعني كلمة الشرف؟

ثم يستغرب أحدهم في التعليقات فيقول: "واو هل فعلاً الفتاة عندهم تخجل وتحمرّ! لم أكن أعلم هذا!". تابعت التعليقات وأنا أكاد أنفجر بسبب كمية الكليشيهات التراثية العقيمة والمعلومات الخاطئة عن الآخر. أستغرب فعلاً أننا، في هذا العصر، ومع كل وسائل التواصل، وما زال هناك هذا العدد المهول من التقييمات المعلّبة عن الغرب: الفتاة الغربية لا أخلاق لها. الفتاة الغربية وسخة على صعيد النظافة الجسدية. الفتاة الغربية تضاجع من تشاء ومتى تشاء. لا أواصر عائلية في الغرب. الرجل الغربي لا يحب ولا يتزوج. لا عادات عند الغرب ولا مآثر... خطأ! كل هذا خطأ! أقول داخل عقلي.

التراث الجمعي الذي لا نودّ قتله، بل مراجعته وتقييمه وإقامة الجدل معه، هو المشكلة. نعم. هو المشكلة، فعلاً. فقد استقرت بعض التابوهات المعرفية في الذهنية العربية لعقود طويلة، تابوهات صُنعت في الصحراء، لتُناسب الصحراء، وصدّرتها ممالك الصحراء لكل الجوار، بناء على تفسيرات دينية كتبها أتباع الملوك، لترسيخ مفاهيم تخدم القبَلية وفكرة المُلك من الأساس، لا لخدمة الكائن البشري أو تحسين حياته. وتلقّتها دول جوار الصحراء، ليستقيم المُلك نفسه في ما بينها. ويتجسد هذا النَّفَس "الذكوري" المؤسّس قبلاً، في سلطة الأب داخل العائلة، المدير، وفي كل مَن يملك سلطة ما، تجعله يطلق أحكاماً ويفند تصرفات ممتلكاته على مزاجه.

في كندا، حيث كنت أعمل، كان معي في القسم أمٌّ وابنتها. لا تعيشان معاً، كعادة الغربيين، فالبنت تعيش مع صديقها، والأم مع زوجها الثاني بعد طلاقها من والد ابنتها. كانتا تلتقيان في العمل. كل يوم على مدار أربع سنوات، كانت الأم تجلب لابنتها إلى العمل الطعام الذي تطبخه. والفتاة تشكر أمها. تتحدثان طوال اليوم عن كل شيء، بصراحة واحترام وحب. الفتاة في علاقة مع شاب لديه إعاقة جسدية منذ ولادته. تسألها الأم عنه باستمرار. ولا مرة سمعت الأم تنصح ابنتها بتركه. الفتاة تعيش معه منذ سن السادسة عشرة. كل ما يهم الأم أن تكون ابنتها سعيدة مع من يستحقها. لم تسألها يوماً إن كانت لا تزال عذراء، أم لا. هذا تفصيل بالنسبة إليها. طبعاً هذا مثال، ضمن أمثلة عديدة عن الروابط العائلية والأخلاق هناك. لكن هل الغرب كله هكذا؟ طبعاً لا.

في فيديو آخر، تم التقاطه داخل الدائرة القطبية الشمالية، مباشرة، بين حدود كندا وألاسكا وروسيا، يستغرق الأمر ثواني معدودوة، لكن المنظر المذهل يستحق الإعجاب ويثير الخوف أيضاً، إن كنت في مكان التقاط الفيديو. ظاهرة لا يمكن ملاحظتها إلا مرة واحدة في السنة، لمدة 36 ثانية، فقط. القمر يظهر بكل عزة ويختفي. الكتلة الغازية البيضاء تبدو وكأنها ستصطدم بالأرض، ثم يحصل كسوف كلي للشمس لمدة خمس ثوان، عند النقطة التي يكون فيها القمر أقرب للأرض، حيث نلاحظ أيضاً السرعة الهائلة التي يتحرك بها القمر وكوكبنا داخل المنظومة الفلكية.

ينتهي المشهد المذهل، مثيراً نوعاً من الرهبة، وننتقل كالعادة إلى تعليقات القراء العرب عليه.. ومجدداً، الصدمة: "فوتوشوب، مش حقيقي، يريدون لنا أن نؤمن بالخرافات، القمر بعيد في السماء مش ممكن يظهر بهذا الشكل، أبداً".. تعليقات متتاليه بالآلاف، كلها تنكر حقيقة الصورة وأنها مجرد خيال، من دون الالتفات إلى سؤال أهم: كيف تحدث الظاهرة؟

هو نفسه العقل الجمعي العربي الذي لا يؤمن إلا بتواتر التراث المصنوع في الصحراء والمُصدّر للجوار. وكأن مركزية الكون كلها هنا، مُختصرة في فتاوى محددة، وتلقين مسبق لتفسير كل الظواهر الطبيعية والإنسانية، لتلوكها الألسنة كافة لاحقاً. والأغرب أن نجد في الغرب، كما في الشرق، بعض مَن ينكرون الصورة الملتقطة للقمر، فقط لأنه لم يختبر رؤيتها بنفسه. وتبقى مشكلة السؤال، جوهر نقد هذا السلوك الجمعي في الشرق كما في الغرب، لا خلاف كبيراً بين المجتمعين، إلا عند الطبقة التي آمنت بضرورة العلم والسؤال والبحث، ووضعت الدين في مكانه الطبيعي باعتباره قوانين مرنة تصلح لتنظيم بعض شؤون الجماعة، تاركاً للشؤون الإنسانية والفردانية فرصة تطور تختلف مع الظروف المحيطة بكل تجمع بشري.

في الغرب، كما في الشرق، هناك الاتجاه نحو المبادئ نفسها المستقاة من ممالك الصحراء، لا لشيء إلا لترسيخ دعائم فكرة المُلك. نسبة كبيرة من العائلات في الغرب لديها المفاهيم نفسها عن الشرف والكرامة وامتلاك الذكور للإناث باعتبارهن مقتنيات شخصية.

أستغرب ممن ما زالوا يطلقون تعاميم عن شعوب بأكملها، ويروجون لمفاهيم خاطئة!

ويأتي واحد من وراء شاشته لم يكلف نفسه عناء البحث والاطلاع، فيكتب وهو يضع ساقاً فوق ساق: "الحمدلله على نعمة التدين". كما لو أنه يضع نفسه فوق البشر، وكأنه الملاك الحارس. يتهم الجميع بالزندقة، وهو الأفضل. الغريب أن نرى هذه التعليقات وما شابهها على الكثير من الفيديوهات "خادشة الحياء".

تابعت منذ فترة فيديوهات راقصة معروفة. أكثرية التعليقات من نوع "استغفر الله العظيم" أو "اتقي الله" أو "روحي اعملي شي ينفعك لآخرتك". السؤال المحيّر هو: وأنت ماذا تفعل هنا تحت هذا الفيديو يا تقي! لماذا تضع أنفك هنا؟

فعلاً، متابعة التعليقات على الفيديوهات تشرح لنا الكثير مما يواجهه الإنسان المعاصر في حربه المتواصلة للحياة على هذا الكوكب. يشرح ويفسر عقليات لا تفكر أبعد من أنوفها، لكنها تضعه في الأماكن كلها، بلا وعي أو سؤال، أو شك. فالشك هو مرجعية الإنسان نحو التجربة التي هي دليل حريته البحتة.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها